تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

56.63-67

﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ أي: ما تحرثون الأرض لأجله، وهو الحب. و (الحرث): شق الأرض للزراعة، وإثارتها، وإلقاء البذر فيها. ﴿ ءأنتم تزرعونه ﴾ أي: تنبتونه ﴿ أم نحن الزارعون ﴾ أي: المنبتون. وعن بعض السلف أنه كان إذا قرأ هذه الآية وأمثالها يقول: بل أنت يا رب! ﴿ لو نشآء لجعلناه حطاما ﴾ أي: أيبسناه قبل استوائه واستحصاده. وأصل (الحطام): ما تحطم وتفتت لشدة يبسه ﴿ فظلتم تفكهون ﴾ أي: تعجبون من هلاكه ويبسه بعد خضرته. أو تندمون على اجتهادكم فيه الذي ضاع وخسر. أو ﴿ تفكهون ﴾ على ما أصبتم لأجله من المعاصي، فتتحدثون فيه. و (التفكه): التنقل بصنوف الفاكهة، وقد استعير للتنقل بالحديث، لأنه ذو شجون. وقوله تعالى: ﴿ إنا لمغرمون ﴾ مقول قول مقدر، هو حال. أي: قائلين، أو يقولون: إنا لمغرمون. أي: ملزمون غرامة ما أنفقنا، أو مهلكون لهلاك رزقنا. من (الغرام) بمعنى الهلاك، قال:

إن يعذب يكن غراما وإن يع

ط جزيلا فإنه لا يبالي

﴿ بل نحن محرومون ﴾ أي: حرمنا رزقنا.

56.68-70

﴿ أفرءيتم المآء الذي تشربون ﴾ يعني: العذب الصالح للشرب ﴿ ءأنتم أنزلتموه من المزن ﴾ أي: السحاب المعبر عنه بالسماء في غير ما آية ﴿ أم نحن المنزلون ﴾ أي: لكم إلى قرار الأرض، ومسلكوه ينابيع فيها ﴿ لو نشآء جعلناه أجاجا ﴾ أي: ملحا لا يصلح لشراب ولا زرع ﴿ فلولا تشكرون ﴾ أي: نعمة الله عليكم في جعله عذبا فراتا، لشربكم وزرعكم، وصلاح معايشكم ومنافعكم.

لطيفة

قال الإمام ابن الأثير في (المثل السائر) في النوع الحادي عشر من المقالة الثانية، في بحث ورود لام التوكيد في الكلام، وأنها لا تجيء إلا لضرب من المبالغة، في سر مجيء اللام في قوله تعالى:

لجعلناه حطاما

[الواقعة: 65] دون قوله: ﴿ جعلناه أجاجا ﴾ ما مثاله: أدخلت اللام في آية المطعوم، دون آية المشروب. وإنما جاءت كذلك؛ لأن جعل الماء العذب ملحا، أسهل إمكانا في العرف والعادة. والموجود من الماء الملح، أكثر من الماء العذب، وكثيرا ما إذا جرت المياه العذبة على الأراضي المتغيرة التربة، أحالتها إلى الملوحة. فلم يحتج في جعل الماء العذب ملحا، إلى زيادة تأكيد. فلذلك لم تدخل عليه لام التأكيد المفيدة زيادة التحقيق. وأما المطعوم فإن جعله حطاما من الأشياء الخارجة عن المعتاد، وإذا وقع فلا يكون إلا عن سخط من الله شديد، فلذلك قرن بلام التأكيد، زيادة في تحقيق أمره، وتقرير إيجاده. انتهى.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٧٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٧٧٣