تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

56.83-85

﴿ فلولا إذا بلغت ﴾ أي: النفس، لدلالة الكلام عليها ﴿ الحلقوم * وأنتم حينئذ تنظرون ﴾ أي: حالة نزعه، أو تنتظرون لفظه النفس الأخير. والخطاب لمن حول المحتضر. ﴿ ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ﴾ قال جمهور السلف: يعني: ملك الموت أدنى إليه من أهله، ولكن لا تبصرون الملائكة. أو لا تدركون كنه ما يقاسيه. وبعضهم فسر القرب بالعلم والقدرة. وتقدم بسط الأقوال، وترجيح الأول في تفسير آية

ونحن أقرب إليه من حبل الوريد

[ق: 16]، في سورة (ق) فارجع إليه فإنه مهم.

وهذه الجملة معترضة، أو حالية كالتي قبلها.

56.86-96

﴿ فلولا إن كنتم غير مدينين ﴾ أي: غير مجزيين يوم القيامة. أو مملوكين مقهورين. من (دانه) أذله واستعبده. ﴿ ترجعونهآ ﴾ أي: تردون النفس إلى مقرها عند بلوغها الحلقوم ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ أي: في أنكم غير مسوسين، مربوبين مقهورين. يعني: أنكم مجبرون عاجزون تحت قهر الربوبية، وإلا لأمكنكم دفع ما تكرهون أشد الكراهية، وهو الموت. ﴿ فأمآ إن كان ﴾ أي: الميت ﴿ من المقربين ﴾ أي: السابقين من الأصناف الثلاثة المذكورة في أول السورة ﴿ فروح ﴾ أي: فله راحة ﴿ وريحان ﴾ أي: رزق طيب، أو شجر ناضر يتفيأ ظلاله ﴿ وجنت نعيم ﴾ أي: يتنعم فيها مما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين ﴿ وأمآ إن كان من أصحاب اليمين * فسلام لك من أصحاب اليمين ﴾.

قال ابن كثير: أي: تبشرهم الملائكة بذلك. تقول لأحدهم: سلام لك، أي: لا بأس عليك أنت إلى سلامة، أنت من أصحاب اليمين.

وقال قتادة وابن زيد: سلم من عذاب الله، وسلمت عليه ملائكة الله، كما قال عكرمة: تسلم عليه الملائكة، وتخبره أنه من أصحاب اليمين. وهذا معنى حسن. ويكون ذلك كقول الله تعالى:

إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون...

الآيات [فصلت: 30]. انتهى.

وقال الرازي: في السلام وجوه:

أولها: يسلم به صاحب اليمين، على صاحب اليمين كما قال تعالى من قبل:

لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا سلاما سلاما

[الواقعة: 25 - 26].

ثانيها: ﴿ فسلام لك ﴾ أي: سلامة لك من أمر خاف قلبك منه، فإنه في أعلى المراتب. وهذا كما يقال لمن تعلق قلبه بولده الغائب عنه، إذا كان يخدم عند كريم: كن فارغا من جانب ولدك، فإنه في راحة.

ثالثها: أن هذه الجملة تفيد عظمة حالهم، كما يقال: فلان ناهيك به، وحسبك أنه فلان. إشارة إلى أنه ممدوح فوق حد الفضل. انتهى.

ثم قال الرازي: والخطاب بقوله: ﴿ لك ﴾ يحتمل أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم، وحينئذ فيه وجه، وهو ما ذكرنا أن ذلك تسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم غير محتاجين إلى شيء من الشفاعة وغيرها. فسلام لك يا محمد منهم، فإنهم في سلامة وعافية، لا يهمك أمرهم. أو فسلام لك يا محمد منهم، وكونهم ممن يسلم على محمد صلى الله عليه وسلم دليل العظمة، فإن العظيم لا يسلم عليه إلا عظيم. انتهى.

﴿ وأمآ إن كان من المكذبين ﴾ أي: بآيات الله ﴿ الضآلين ﴾ أي: الجائرين عن سبيله. ﴿ فنزل من حميم ﴾ أي: ماء انتهى حره، فهو شرابه ﴿ وتصلية جحيم ﴾ أي: إحراق بالنار ﴿ إن هذا ﴾ أي: المذكور من أحوال الفرق الثلاثة وعواقبهم ﴿ لهو حق اليقين ﴾ أي: حقيقة الأمر، وجلية الحال، لا لبس فيه ولا ارتياب. والإضافة إما من إضافة الموصوف إلى الصفة، أي: الحق اليقين، كما يقال: دار الآخرة، والدار الآخرة؛ أو بالعكس، أي: اليقين الحق. أو من إضافة العام للخاص، أي: كعلم الأمر اليقين. فالإضافة حينئذ لامية، أو بمعنى: (من).

تنبيه

في (الإكليل): استدل بالآيات هذه على أن الروح بعد مفارقة البدن، منعمة أو معذبة، وعلى أن مقر أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكافرين في النار.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٧٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٧٧٨