54.17
﴿ ولقد يسرنا القرآن للذكر ﴾ أي: سهلناه للادكار والاتعاظ، لكثرة ما ضرب فيه من الأمثال الكافية الشافية ﴿ فهل من مدكر ﴾ أي: فيعتبر بما فيه، ويثوب إلى رشده.
54.18-22
﴿ كذبت عاد ﴾ أي: نبيهم هودا عليه السلام، بمثل ما كذبت به قوم نوح ﴿ فكيف كان عذابي ونذر * إنآ أرسلنا عليهم ريحا صرصرا ﴾ أي: شديد الهبوب، لها صرير، أو باردة، ﴿ في يوم نحس ﴾ أي: شر وشؤم عليهم ﴿ مستمر ﴾ أي: استمر عليهم ودام حتى أهلكهم، أو شديد المرارة لعظم بلائه, ﴿ تنزع الناس ﴾ أي: تقلعهم عن أماكنهم. ﴿ كأنهم أعجاز نخل منقعر ﴾ أي: أصول نخل منقلع عن مغارسه. وأصل ﴿ منقعر ﴾ ما أخرج من القعر ﴿ فكيف كان عذابي ونذر ﴾ كرره للتهويل وللتنبيه على فرط عتوهم، أي: فكيف كان عذابي لقومه، وإنذاري لهم على لسانه؟ ﴿ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ﴾؟.
54.23-32
﴿ كذبت ثمود بالنذر ﴾ أي: بما أنذرهم به نبيهم صالح عليه السلام, ﴿ فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنآ إذا لفي ضلال وسعر ﴾ أي: جنون، أو عناء. فهو اسم مفرد. وقيل: جمع سعير، كأنهم عكسوا عليه، فرتبوا على اتباعهم إياه ما رتبه على اتباعهم له.
قال الزمخشري قالوا: ﴿ أبشرا ﴾ إنكار لأن يتبعوا مثلهم في الجنسية، وطلبوا أن يكون من جنس أعلى من جنس البشر، وهم الملائكة. وقالوا ﴿ منا ﴾ لأنه إذا كان منهم كانت المماثلة أقوى. وقالوا ﴿ واحدا ﴾ إنكارا لأن تتبع الأمة رجلا واحدا، أو أرادوا واحدا من أفنائهم ليس بأشرفهم وأفضلهم، ويدل عليه قولهم: ﴿ أءلقي الذكر عليه من بيننا ﴾ يعنون: الوحي والنبوة، أي: وفينا من هو أحق بها على زعمهم، لكونه أعز مالا ونفرا ﴿ بل هو كذاب أشر ﴾ أي: متكبر، حمله كبره على استتباعنا له. ﴿ سيعلمون غدا ﴾ أي: عند نزول العذاب بهم، أو يوم القيامة ﴿ من الكذاب الأشر ﴾ أي: المتكبر عن الحق، البطر له ﴿ إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم ﴾ أي: آية وحجة لصالح على قومه امتحانا لهم وابتلاء ﴿ فارتقبهم ﴾ أي: انتظرهم وتبصر ما هم صانعوه بها ﴿ واصطبر ﴾ أي: على دعوتهم ﴿ ونبئهم أن المآء ﴾ أي: الذي يردونه لشرب مواشيهم ﴿ قسمة بينهم ﴾ أي: مقسوم بينهم، لها شرب يوم، ولهم شرب يوم ﴿ كل شرب محتضر ﴾ أي: يحضره صاحبه في نوبته. و(الشرب) النصيب من الماء.
ثم أشار تعالى إلى عتوهم عن أمر ربهم بقوله: ﴿ فنادوا صاحبهم فتعاطى ﴾ فتناول الناقة بيده ﴿ فعقر ﴾ أي: فعقرها وقتلها ﴿ فكيف كان عذابي ونذر * إنآ أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر ﴾ أي: كالشجر اليابس المتكسر الذي يتخذه من يعمل الحظيرة للغنم ونحوها، أو كالحشيش اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته في الشتاء. وقرئ بفتح الظاء، اسم مكان، أي: كهشيم الحظيرة، أو الشجر المتخذ لها. وهو تشبيه لإهلاكهم وإفنائهم، وأنهم بادوا عن آخرهم، لم تبق منهم باقية، وخمدوا وهمدوا، كما يهمد وييبس الزرع والنبات بعد خضرة ورقه، وحسن نباته.
قال ابن زيد: كانت العرب يجعلون حظارا على الإبل والمواشي من يبس الشوك.
وعن سفيان: الهشيم، إذا ضربت الحظيرة بالعصا، تهشم ذاك الورق فيسقط, والعرب تسمي كل شيء كان رطبا فيبس هشيما ﴿ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ﴾.