تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم رجع إلى المدينة، وفي مرجعه أنزل الله عليه: ﴿ إنا فتحنا لك فتحا مبينا ﴾ الآيات. فقال عمر: أفتح هو يا رسول الله؟ قال: " نعم! " فقال الصحابة: هنيئا لك يا رسول الله! فمالنا! فأنزلنا الله عز وجل: ﴿ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين... ﴾ الآية [الفتح: 4] ولما رجع إلى المدينة جاءه أبو بصير - رجل من قريش - مسلما، فأرسلوا في طلبه رجلين، وقالوا: العهد الذي جعلت لنا! فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به، حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا جيدا، فاستله الآخر، فقال: أجل! والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت. فقال أبو بصير أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد، وفر الآخر يعدو، حتى بلغ المدينة، فدخل المسجد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: " لقد رأى هذا ذعرا ". فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: " قتل والله! صاحبي، وإني لمقتول ". وجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله! قد أوفى الله ذمتك، وقد رددتني إليهم، فأنجاني الله منهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ويل أمه! مسعر حرب لو كان له أحد ". فلما سمع ذلك علم أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، وتفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة. فوالله! لا يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم، وأخذوا أموالهم. وأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم، فمن أتاه فهو آمن، فأنزل الله عز وجل: ﴿ وهو الذي كف أيديهم عنكم... ﴾ الآية [الفتح: 24]. وجرى الصلح بين المسلمين وأهل مكة على وضع الحرب عشر سنين، وأن يأمن الناس بعضهم من بعض، وأن يرجع عنهم عامهم ذلك، حتى إذا كان العام المقبل، قدمها، وخلوا بينه وبين مكة، فأقام بها ثلاثا، وأنه لا يدخلها إلا سلاح الراكب، والسيوف في القرب، وأن من أتانا من أصحابكم لم نرده عليك، ومن أتاك من أصحابنا رددته علينا، وأن بيننا وبينك عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال. فقالوا: يا رسول الله، نعطيهم هذا؟ فقال: " من أتاهم منا، فأبعده الله، ومن أتانا منهم فرددناه إليهم، جعل الله له فرجا ومخرجا " ".

هذا ولينظر تتمة ما في فوائد هذه الغزوة ولطائفها في (زاد المعاد).

محاسن التأويل · الصفحة ٢٦٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٦٤٨