أي لأنه لم يرو مرفوعا ولا موقوفا على ابن عباس، ترجمان القرآن، أو غيره من الصحب، إلا أن عدم كونه مأثورا لا ينافي احتمال لفظ الآية له، وصدقها عليه، لا سيما، ويؤيده قوله تعالى في آخر السورة:
فارتقب إنهم مرتقبون
[الدخان: 59] مما هو وعد بظهوره عليهم، وكان ذلك يوم الفتح. وحينئذ، فمعنى قوله تعالى: ﴿ إنا كاشفوا العذاب ﴾ أي: ما ينزل بهم يومئذ، برفع القتل والأسر عنهم. ومعنى: ﴿ عآئدون ﴾ أي: إلى لقاء الله ومجازاته.
فصل
يظهر مما نقلناه عن السلف في هذه الآية من الأقوال الثلاثة، أن هذه الآية من الآي اللاتي أخذت من الصحب، عليهم الرضوان، اهتماما في معناها، وعناية في البحث عن المراد منها. حتى كان ابن مسعود مصرا على وجه، وعلي وابن عباس وحذيفة على وجه آخر. على ما أسند عنهم من طرق، ولعمر الحق! إن هذه الآية لجديرة بزيادة العناية. وهكذا كل ما كان من معارك الأنظار للأئمة الكبار. وسبب الاختلاف هو إيجاز الأسلوب الكريم، وإيثاره من الألفاظ أرقها، وأوجزها.
مما يصدق لبلاغته حقيقة تارة ومجازا أخرى. هذا أولا. وثانيا، لما كان كثير من الأحاديث المروية تتشابه مع الآيات، كان ذلك مما يقرب بينهما، ويدعو إلى اتحاد المراد منهما. لما تقرر من شرح السنة للكتاب، وهذا ما درج عليه المحدثون قاطبة. فترى أحدهم إذا رأى في خبر ما يشير إلى آية، قطع بأنه تفسيرها ووقف عنده ولم يتعده. وأما من فتح للتدبر بابا ومهد للنظر مجالا ورأى أن الأثر قد يكون من محمولات الآية وما صدقاتها، وأنها أعم وأشمل؛ أو إن حمل الخبر عليها اشتباه أفضى إليه التشابه. فذاك وسع للسالك المسالك، وفتح للمريد المدارك، ورقاه من حظيره النقل إلى فضاء العقل. ولكل وجهة.
إذا علمت ذلك، رأيت أن من فسر هذه الآية بالمجاعة التي حصلت لقريش، أمكنه تطبيق الآية عليها مجازا في بعض مفرداتها، وحقيقة في بقيتها وفي وقوع مصداقها، في رأيه. ومن فسرها بالدخان المنتظر، المروي من أشراط الساعة، وقف مع المروي ورأى أنه تفسيرها؛ لأن الأصل التوافق والحمل على المعهود؛ لأنه الأقرب خطورا والأسبق حضورا، ومن فسرها بالظهور عليهم يوم الفتح، رأى أنها من بليغ المجاوز وبديع الكناية في ذلك، وأن الوعد بالارتقاب. كثر أشباهه ونظائره في غير ما آية، مرادا به الفتح. كآية:
ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين * قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون * فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون
[السجدة: 28-30] فهذا وأمثاله يبين مآخذ الأئمة ومداركهم في التأويل. وبه يعلم أن أطراف المدارك قد تتجاذب اللفظ فتستوقف الرأي عن التشيع لمدرك دون آخر. ما لم يكن ثمة ما يرشح أحدها وقد يظن الواقف على كلام الرازي المتقدم، واحتجاجه للوجه الثاني بما أطال به، أن لا منتدح، بعد، عنه. مع أن للذاهب إلى غيره أن يجيب عن احتجاجه بما أسلفنا من صحة المجاز. بل وقوته هنا؛ لأن المقام مقام إنذار وإيعاد. والذوق أكبر حاكم وإليه مرد البلاغة. ولا يلزم المتأول نكرانه للدخان المنتظر. كما قد يتوهم. بل يعترف بأنه آية آتية يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وينقلب هذا النظام إلى نشأة ثانية، وأنه لا يلزم من الاشتراك اللفظي اتحاد المتلو والمروي. وبالجملة، فاللفظ الكريم يتناول المعاني الثلاثة. وسببه تحقق مصداق الجميع. وأما تعيين واحد منها للمراد، فصعب جدا فيما أراه، لا سيما ولم يتفق الصحب على رأي فيها. هذا ما نقوله الآن. والله العليم.