44.7-9
﴿ رب السموت والأرض وما بينهمآ إن كنتم موقنين ﴾ قال أبو مسلم: أي: إن كنتم تطلبون اليقين وتريدونه، فاعرفوا أن الأمر كما قلنا، كقولهم: (فلان منجد متهم) أي: يريد نجدا وتهامة. ا ه. وقيل: معناه إن كنتم موقنين بما تقرون به، من أنه رب الجميع وخالقه ﴿ لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبآئكم الأولين * بل هم في شك يلعبون ﴾ أي: بل ليسوا بموقنين في إقرارهم بربوبيته؛ لأن الإيقان يستتبع قبول البرهان، وإنما هو قول ممزوج بلعب، لغشيان أدخنة أهوية نفوسهم، بصائر قلوبهم وأرواحهم.
44.10-16
﴿ فارتقب يوم تأتي السمآء بدخان مبين * يغشى الناس هذا عذاب أليم * ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون ﴾ أي: انتظر لمجازاتهم ذلك اليوم الهائل، ولا يستعمل (الارتقاب) إلا في أمر مكروه.
وللسلف في معنى الدخان ثلاثة أوجه: الأول: قال بعضهم: كان ذلك حين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش أن يؤخذوا بسنين كسنين يوسف، فأخذوا بالمجاعة. قالوا: وعنى بالدخان ما كان يصيبهم حينئذ في أبصارهم من شدة الجوع، من الظلمة كهيئة الدخان، روى ابن جرير عن مسروق قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسا وهو مضطجع بيننا. فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن قاصا عند أبواب كندة يقص ويزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام. فقام عبد الله وجلس وهو غضبان، فقال: يا أيها الناس، اتقوا الله. فمن علم شيئا فليقل بما يعلم, ومن لا يعلم فليقل: (الله أعلم). فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم: (الله أعلم) وما على أحدكم أن يقول لما لا يعلم (لا أعلم) فإن الله عز وجل يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم:
قل مآ أسألكم عليه من أجر ومآ أنآ من المتكلفين
[ص: 86] إن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى من الناس إدبارا قال:
" اللهم سبعا كسبع يوسف "
فأخذتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف. ينظر أحدهم إلى السماء فيرى دخانا، من الجوع. فأتاه أبو سفيان بن حرب فقال: يا محمد، إنك جئت تأمرنا بالطاعة وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم. قال الله عز وجل: ﴿ فارتقب يوم تأتي السمآء بدخان مبين ﴾ ، إلى قوله: ﴿ إنكم عآئدون ﴾ [الدخان: 15]، قال: فكشف عنهم: ﴿ يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ﴾ [الدخان: 16] فالبطشة يوم بدر. وقد مضت آية الروم وآية الدخان، والبطشة واللزام.
قال ابن كثير: وهذا الحديث مخرج في الصحيحين ورواه الإمام أحمد في مسنده وهو عند الترمذي والنسائي في تفسيرهما، وعند ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق متعددة وقد وافق ابن مسعود رضي الله عنه على تفسير الآية بهذا، وأن الدخان مضى جماعة من السلف كمجاهد وأبي العالية وإبراهيم النخعي والضحاك وعطية العوفي، وهو اختيار ابن جرير.
﴿ أنى لهم الذكرى وقد جآءهم رسول مبين * ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون ﴾ أي: كيف لهم بالتذكر، وقد أرسلنا إليهم رسولا بين الرسالة والنذارة. ومع هذا تولوا عنه وما وافقوه. بل كذبوه وقالوا معلم مجنون. وهذا كقوله جلت عظمته:
يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى
[الفجر: 23] الآية.
وكقوله عز وجل:
ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب
[سبأ: 51]. إلى آخر السورة.
﴿ إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عآئدون ﴾ يحتمل معنيين: أحدهما: أنه يقول تعالى: ولو كشفنا عنكم العذاب ورجعناكم إلى الدار الدنيا، لعدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والتكذيب. كقوله تعالى:
ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون
[المؤمنون: 75]، وكقوله جلت عظمته:
ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون
[الأنعام: 28] والثاني: أن يكون المراد إنا مؤخروا العذاب عنكم قليلا بعد انعقاد أسبابه ووصوله إليكم، وأنتم مستمرون فيما أنتم فيه من الطغيان والضلال، ولا يلزم من الكشف عنهم أن يكون باشرهم. كقوله تعالى: