تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلا قوم يونس لمآ آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين

[يونس: 98] ولم يكن العذاب باشرهم واتصل بهم. بل كانوا قد انعقد سببه عليهم، ولا يلزم أيضا أن يكونوا قد أقلعوا عن كفرهم ثم عادوا إليه، قال الله تعالى، إخبارا عن شعيب عليه السلام، أنه قال لقومه حين قالوا:

لنخرجنك يشعيب والذين آمنوا معك من قريتنآ أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين * قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها

[الأعراف: 88-89] وشعيب عليه السلام لم يكن قط على ملتهم وطريقتهم. وقال قتادة: ﴿ إنكم عآئدون ﴾ إلى عذاب الله.

﴿ يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ﴾ فسر ذلك ابن مسعود رضي الله عنه بيوم بدر. وهذا قول جماعة ممن وافق ابن مسعود رضي الله عنه على تفسيره الدخان بما تقدم، وروي أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما من رواية العوفي عنه. وعن أبي بن كعب رضي الله عنه وجماعة عنه وهو محتمل. والظاهر أن ذلك يوم القيامة، وإن كان يوم بدر يوم بطشة أيضا. قال ابن جرير: حدثني يعقوب. حدثنا ابن علية. حدثنا خالد الحذاء عن عكرمة قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال ابن مسعود رضي الله عنه: البطشة الكبرى يوم بدر. وأنا أقول هي يوم القيامة. وهذا إسناد صحيح عنه. وبه يقول الحسن البصري وعكرمة في أصح الروايتين عنه. والله أعلم. انتهى كلام ابن كثير.

فصل

وممن رجح الوجه الأول: وهو أن المراد بالدخان يوم المجاعة والشدة مجازا، بذكر المسبب وإرادة السبب. أو بالاستعارة، العلامة أبو السعود حيث قال: والأول هو الذي يستدعيه مساق النظم الكريم قطعا. فإن قوله تعالى: { وأنى له الذكرى إلخ، رد لكلامهم، واستدعائهم الكشف، وتكذيب لهم في الوعد بالإيمان، المنبئ عن التذكر والاتعاظ بما اعتراهم من الداهية، أي: كيف يتذكرون؟ أو من أين يتذكرون بذلك ويفون بما وعدوه من الإيمان عند كشف العذاب عنهم؟ ﴿ وقد جآءهم رسول مبين ﴾ أي: والحال أنهم شاهدوا من دواعي التذكر، وموجبات الاتعاظ ما هو أعظم منه في إيجابها.

حيث جاءهم رسول عظيم الشأن، وبين لهم مناهج الحق، بإظهار آيات ظاهرة ومعجزات قاهرة، تخر لها صم الجبال ﴿ ثم تولوا عنه ﴾ عن ذلك الرسول وهو هو، ريثما يشاهدون منه ما شاهدوه من العظائم الموجبة للإقبال عليه، ولم يقتنعوا بالتولي ﴿ وقالوا ﴾ في حقه ﴿ معلم مجنون ﴾ أي: قالوا تارة: يعلمه غلام أعجمي لبعض ثقيف. وأخرى مجنون، أو يقول بعضهم كذا وآخرون كذا. فهل يتوقع من قوم هذه صفاتهم أن يتأثروا بالعظة والتذكير؟ وما مثلهم إلا كمثل الكلب إذا جاع ضعف، وإذا شبع طغى. وقوله تعالى: ﴿ إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عآئدون ﴾ جواب من جهته تعالى عن قولهم: ﴿ ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون ﴾ بطريق الالتفات، لمزيد التوبيخ والتهديد، وما بينهما اعتراض. أي: إنا نكشف العذاب المعهود عنكم كشفا قليلا، أو زمانا قليلا. إنكم تعودون إثر ذلك إلى ما كنتم عليه من العتو والإصرار على الكفر، وتنسون هذه الحالة، وفائدة التقييد بقوله: ﴿ قليلا ﴾ الدلالة على زيادة خبثهم؛ لأنهم إذا عادوا قبل تمام الانكشاف، كانوا بعده أسرع إلى العود. وصيغة الفاعل في الفعلين، للدلالة على تحققهما لا محالة، ولقد وقع كلاهما حيث كشفه الله تعالى، بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم فما لبثوا أن عادوا إلى ما كانوا عليه من العتو والعناد. انتهى ما قاله أبو السعود بزيادة.

فصل

وأما الوجه الثالث في الآية، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا جعفر بن مسافر، حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا ابن مهيعة، حدثنا عبد الرحمن الأعرج في قوله عز وجل: ﴿ يوم تأتي السمآء بدخان مبين ﴾ قال: كان يوم فتح مكة. قال ابن كثير: وهذا القول غريب جدا. بل منكر. انتهى.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٥٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٥٩٤