قال الرازي: بعد تقرير كلام أبي مسلم: إن ثبت إجماع الأمة، قبل أبي مسلم، على حصول النسخ في الآية، فلا كلام عليه. وإلا فقول أبي مسلم صحيح حسن. انتهى.
الثالثة: في قوله تعالى:
بأنهم قوم لا يفقهون
[الأنفال: 65] إشارة إلى علة غلبة المؤمنين عشرة أمثالهم من الكفار، فالظرف متعلق ب ﴿ يغلبوا ﴾ أي: بسبب أنهم قوم جهلة بالله تعالى واليوم الآخر، لا يقاتلون احتسابا وامتثالا لأمر الله تعالى، وإعلاء لكلمته، وابتغاء لرضوانه، كما يفعله المؤمنون، وإنما يقاتلون للحمية الجاهلية، واتباع خطوات الشيطان، وإثارة نائرة البغي والعدوان، فلا يستحقون إلا القهر والخذلان. أفاده أبو السعود.
الرابعة: قال الرازي: احتج هشام على قوله: (إن الله تعالى لا يعلم الجزئيات إلا عند وقوعها)، بقوله: ﴿ الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ﴾ ، إذ يقتضي أن علمه بضعفهم ما حصل إلا في هذا الوقت. وأجاب المتكلمون بأن معناه: الآن حصل العلم بوقوعه وحصوله، وأما قبل ذلك فقد كان الحاصل العمل بأنه سيقع أو سيحدث. انتهى.
وقال الطيبي رحمه الله: معناه الآن خفف الله عنكم لما ظهر متعلق علمه تعالى، أي: كثرتكم الموجبة لضعفكم بعد ظهور قلتكم وقوتكم.
الخامسة: في (الضعف) لغتان: الفتح والضم، بهما قرئ. وهو يؤكد كونهما بمعنى فيكونان في الرأي والبدن. وقيل: (الفتح) في الرأي والعقل، و (الضم) في البدن. وهو منقول عن الخليل وقرئ (ضعفاء) بصيغة الجمع.
السادسة: إن قيل: إن كفاية عشرين لمائتين تغني عن كفاية مائة لألف.
وكفاية مائة لمائتين تغني عن كفاية ألف لألفين، لما تقرر من وجوب ثبات الواحد للعشرة في الأولى، وثبات الواحد للإثنين في الثانية، فما سر هذا التكرير؟ أجيب: بأن سره كون كل عدة بتأييد القليل على الكثير، لزيادة التقرير المفيد لزيادة الإطمئنان، والدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة واحدة، لا تتفاوت، فإن العشرين قد لا تغلب المائتين، وتغلب المائة الألف. وأما الترتيب في المكرر فعلى ذكر الأقل ثم الأكثر على الترتيب الطبيعي.
قال في (الفتح): وقد قيل في سر ذلك: إنه بشارة للمسلمين بأن جنود الإسلام سيجاوز عددها العشرات والمئات من الألوف.
السابعة: قال في (البحر): انظر إلى فصاحة هذا الكلام، حيث أثبت في الشرطية الأولى قيد الصبر، وحذف نظيره من الثانية، وأثبت في الثانية قيد كونهم من الكفرة وحذفه من الأولى، ولما كان الصبر شديد المطلوبية أثبت في جملتي التخفيف وحذف من الثانية لدلالة السابقة عليه، ثم ختمت بقوله: ﴿ والله مع الصابرين ﴾ مبالغة في شدة المطلوبية، ولم يأت في جملتي التخفيف بقيد الكفر، اكتفاء بما قبله.
قال الشهاب: هذا نوع من البديع يسمى الإحتباك، وبقي عليه أنه ذكر في التخفيف ﴿ بإذن الله ﴾ وهو قيد لهما، وقوله: ﴿ والله مع الصابرين ﴾ إشارة إلى تأييدهم، وأنهم منصورون حتما لأن من كان الله معه لا يغلب. وبقي فيها لطائف، فلله در التنزيل ما أحلى ماء فصاحته! وأنضر رونق بلاغته!