وقد ظنت طائفة أن الآية دلت على نفي الفعل عن العبد وإثباته لله، وأنه هو الفاعل حقيقة، وهذا غلط منهم من وجوه عديدة، مذكورة في غير هذا الموضع. ومعنى الآية: أن الله سبحانه أثبت لرسوله ابتداء الرمي، ونفى عنه الإيصال الذي لم يحصل برميه، فالرمي يراد به الحذف والإيصال، فأثبت لنبيه الحذف، ونفى عنه الإيصال. انتهى.
وقوله تعالى: ﴿ وليبلي المؤمنين منه ﴾ أي: ليمنحهم من فضله ﴿ بلاء حسنا ﴾ أي: منحا جميلا، بالنصر والغنيمة والفتح، ثم بالأجر والمثوبة، غير مشوب بمقاساة الشدائد والمكاره، فيعرفوا حقه ويشكروه.
قال أبو السعود: واللام، إما متعلقة بمحذوف متأخر، فالواو اعتراضية، أي وللإحسان إليهم بالنصر والغنيمة، فعل ما فعل، لا لشيء غير ذلك، مما لا يجديهم نفعا، وإما برمي، فالواو للعطف على علة محذوفة، أي: ولكن الله رمى ليمحق الكافرين وليبلي... الخ. وتفسير البلاء هنا بالمنحة هو ما اختاره المحققون من قولهم: (أبلاه الله ببلية إبلاء حسنا)، إذا صنع به صنعا جميلا، وأبلاه معروفا، قال زهير (في قصيدته التي مطلعها:
صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو
وأقفر من سلمى التعانيق والثقل
والتعانيق والثقل: مواضع):
جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم
وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو
(أي: إحسان فعلهما بكم، فأبلاهما خير البلاء، أي: صنع الله إليهما خير الصنيع الذي يبتلي به عباده، والإنسان يبلى بالخير والشر)، أي: صنع بهما خير الصنيع الذي يبلو به عباده. واستظهر الطيبي تفسيره بالإبلاء في الحرب بدليل ما بعده. قال ابن الأعرابي: يقال: أبلى فلان إذا اجتهد في صفة حرب أو كرم، ويقال: أبلى ذلك اليوم بلاء حسنا.
﴿ إن الله سميع ﴾ أي: لدعائهم واستغاثتهم ﴿ عليم ﴾ أي: بمن يستحق النصر والغلب.