الثاني: روي عن عطاء أنه فسر (الأنفال) بما شذ من المشركين إلى المسلمين في غير قتال من دابة أو أمة أو متاع. قال: فهو نفل للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع به ما يشاء. قال ابن كثير: وهذا يقتضي أنه فسر (الأنفال) بالفيء، وهو ما أخذ من الكفار من غير قتال.
قلت: صدق (النفل) عليه، لا شك فيه. وأما كونه المراد من الآية بخصوصه، فلا يساعده سبب نزولها المار ذكره، لا سيما قوله: ﴿ وأصلحوا ذات بينكم ﴾ المشير إلى التنازع المتقدم.
ثم قال ابن كثير: واختار ابن جرير أنها الزيادة على القسم، أي ما يدفع إلى الغازي زائدا على سهمه من المغنم. والكلام الذي قلته قبل، يجري هنا أيضا.
ونقل الرازي عن القاضي؛ أن كل هذا الوجوه تحتمله الآية. قال: وليس فيها دليل على ترجيح بعضها على بعض، وإن صح في الأخبار ما يدل على التعين، قضى به، وإلا فالكل محتمل. وكما أن كل واحد منها جائز، فكذلك إرادة الجميع جائزة، فإنه لا تناقض بينها. أي: لصدق (النفل) عليها.
الثالث: وقع عند الزمخشري: أن المسلمين اختلفوا في غنائم بدر، لمن الحكم فيها، أللمهاجرين أم للأنصار، أم لهم جميعا؟ فأجيبوا بأن الحاكم فيها الرسول، وليس لأحد فيها حكم.
تأثر الزمخشري بأبي السعود، في سوقه لما ذكر، وزاد عليه اعتماده له، بتطويل ممل.
ولا أدري من أين سرت لهم هذا الرواية. فإن رواة الآثار لم يخرجوها في صحاحهم ولا سننهم، بل ولا أصحاب السير، كابن إسحاق وابن هشام، وهل يمكن للمسلمين أن يختلفوا للحكم على الغنائم، ويتنازعوا ولايتها، والرسول بين أظهرهم؟ ومتى عهد ذلك من سيرتهم؟ سبحانك هذا بهتان عظيم! ولكن هو الرأي (قاتله الله!) ونبذ كتب السنة، والتقليد البحت، الذي لا يهتم صاحبه بحقائق الأشياء، ولا يريد معرفتها ولا فحصها بالعقل. يضع قدمه على القدم، حيث يكون مطواعا لآراء غيره، منقادا لها مصدقا ما ينطق به فمه، غثا كان أو سمينا. اللهم نور بصيرتنا بفضلك.
وقوله تعالى: ﴿ فاتقوا الله ﴾ أي: في الإختلاف والتخاصم، وكونوا متحدين متآخين في الله.
وقوله تعالى: ﴿ وأصلحوا ذات بينكم ﴾ أي: أحوال بينكم، يعني ما بينكم من الأحوال، حق تكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق.
وقوله تعالى: ﴿ وأطيعوا الله ورسوله ﴾ أي: في قسمه بينكم، على ما أراه الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ متعلق بالأوامر الثلاثة.
قال الزمخشري: جعل التقوى، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله ورسوله، من لوازم الإيمان وموجباته، ليعلمهم أن كمال الإيمان موقوف على التوفر عليها. فمعنى قوله: ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ ، أي: كاملي الإيمان.
ثم بين تعالى من أريد ب (المؤمنين) بذكر أوصافهم الجليلة، المستتبعة لما ذكر من الخصال الثلاث، ترغيبا لهم في الإمتثال بالأوامر المذكورة، فقال سبحانه:
﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم... ﴾.