وأما قول عثمان البتي فلا معنى له لأنه إن وجب أن لا يضرب للموصى له بالنفقة إلا بنفقة الشهر الواحد الذي يستحقه فينبغي أن لا يضرب الموصى له بالثلث إلا القدر الذي يستحقه لأنه ليس واحد منهما أولى بالاحتياط له من الآخر
2185 - في الوصية للجيران
قال محمد إذا أوصى لجيرانه فالقياس أن يكون لجيرانه الملاصقين دون غيرهم وهو قول أبي حنيفة فيما روي عنه ويكون للسكان والملاك
قال محمد وإنما أستحسن أن أجعله لجميع من يجمعه مسجد المحلة التي فيها الموصي من الملاصقين وغيرهم والملاك والسكان فيه سواء ولا يدخل فيه الرقيق
وقال بشر عن أبي يوسف الجيران الذين تجمعهم محلة واحدة أو مسجد واحد فإن تفرقوا في مسجدين فهم أهل محلة واحدة إذا كان المسجدان متقاربين فأما إذا تباعد ما بينهما وكان كل مسجد عظيما جامعا فكل أهل مسجد جيران دون الآخرين وأما الأمصار التي فيها القبائل فالجيران على الأفخاذ دون القبائل وإن كان أهلها من قبائل شتى غير أن الفخذ الذي فيه الدور يجمعهم فهؤلاء جيران
وقال الحسن عن زفر في رجل أوصى لجيرانه قال فجيرانه كل حديد لداره ساكن أو مالك للدار
وقال المزني عن الشافعي وأقصى الجوار أربعون دارا من كل ناحية
قال أبو جعفر توقيت دور بعينها لا معنى له لأن التوقيت في مثله لا يثبت إلا بالتوقيف
وقول من اعتبر الجار الملاصق فاسد أيضا لأنه روى عن عائشة أنها قالت يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي قال أقربهما منك بابا
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا اجتمع الداعيان فأجب أقربهما بابا فإن أقربهما بابا أقربهما جوارا
فلم يعتبر الملاصقة واعتبر القرب بالباب مع كونهما جارين فالقول ما قال أبو يوسف ومحمد لأنه في العادة كذلك
2186 - في الوصية للأرامل
قال محمد إذا أوصى لأرامل بني فلان والأرامل من النساء وهي التي قد أرملت من زوجها ومالها وهي بالغة فإن كن يحصين أعطين وإن لم يحصين أعطي الفقراء منهن
وروي عن أبي يوسف في الإملاء مثل قول محمد إلا أنه قال على الفقيرة والموسرة
وقال المعافى عن الثوري إذا قال ثلث مالي لأرامل بني فلان فالذكر والأنثى فيه سواء وذكر ذلك عن الشعبي
قال أبو جعفر روى سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال
قدمت عبر المدينة فاشترى منها النبي صلى الله عليه وسلم متاعا فباعه بربح أواق فضة فتصدق بها على أرامل بني عبد المطلب ثم قال لا أعود أن أشتري بعدها شيئا وليس ثمنه عندي
قال أبو جعفر وإنما أراد بذلك النساء من بني عبد المطلب اللائي أنسابهن في غيرهم ولم يرد الرجال الذين لا تحل لهم الصدقة لأنه تصدق من الربح فحصل له قبل أن يؤدي عنه كما يتصدق بربح ما لم يضمن
قال وإنما سميت أرملة وسمي الرجل أرمل لذهاب زادهما وإفضائهما إلى الرمل حتى صارا لا يحجبهما عنه شيء
قال أبو بكر كما قال الله تعالى ﴿أو مسكينا ذا متربة﴾ البلد 16 فأفاد لفظ الأرملة شيئين فقد الزوج والمال فإن كان لها زوج ينفق عليها فليست أرملة إن كان لها مال وفقدت زوجها فليست أرملة لوجود ما يمنعها من هذه الصفة فدل على صحة قول محمد غير قول أبي يوسف
وأما قول من قال يدخل فيه الرجال فلا معنى له أيضا لأن الأرامل جمع أرملة كما أن الأنامل جمع أنملة وجمع أرمل رمل كما يقال أخضر وخضر وأحمر وحمر
2187 - في الوصية لرجل بذي رحم محرم منه
قال أبو حنيفة ومحمد وأبو يوسف إذا أوصى لرجل بأخيه أو امرأته ثم مات لم يعتق العبد ولم يفسد النكاح حتى يقبل الموصى له الوصية
وقال زفر ومالك والثوري يعتق قبل أو لم يقبل
وقال الشافعي إذا وهب لصبي من يعتق عليه أو أوصى له به وله وصي كان عليه قبوله ويعتق عليه
قال أبو جعفر قد اتفقوا على أن الموصى له بالمال إذا رد الوصية بطلت وكانت كالهبة لا تملك إلا بالقبول كسائر عقود التمليكات
2188 - في الوصية بجميع المال لمن لا وارث له
قال أبو حنيفة وأصحابه إذا لم يكن له وارث فأوصى بجميع ماله جاز وهو قول شريك بن عبد الله
وقال مالك والأوزاعي والحسن بن حي لا تجوز وصيته إلا في الثلث
قال أبو جعفر روى الشعبي وغيره عن عمرو بن شرحبيل قال قال عبد الله بن مسعود ليس من حي العرب أحرى أن يموت الرجل منهم ولا يعرف له وارث منكم معشر همدان فإذا كان كذلك فليضع ماله حيث أحب ولا نعلم له مخالفا من الصحابة
وأيضا فإن المسلمين لا يستحقون ماله بعد موته على سبيل الميراث لأنه لو كان كذلك لما جاز أن يستحقه الرجل مع أبيه لأن الأب والجد لا يجتمعان في ميراث واحد فعلمنا أنهم لا يستحقونه على جهة الميراث وإنما يعطيهم الإمام من جهة أنه مال لا مالك له وكان للإمام أن يضعه حيث يرى فمالكه أولى بذلك من الإمام لأنه كان مالكا له إلى أن توفي ألا ترى أنه إذا كان له وارث فأوصى بأكثر من الثلث أنه إذا لم تجزه الورثة رد إليه ما زاد
لأنه يأخذه ميراثا فإذا لم يكن ميراث فالوصية جائزة كالثلث الذي لا يورث إذا أوصى به
وأيضا فللإمام أن يجعله لرجل من المسلمين فالموصي بذلك أولى منه كما كان في حال الحياة
2189 - في عتق النسمة عن الميت
قال أبو حنيفة وأصحابه إذا أوصى بأن يعتق عنه نسمة من ثلث ماله وماله ثلاثة آلاف درهم فاشترى الوصي عبدا بألف درهم وأعتقه وأعطى الورثة الألفين ثم لحق الميت دين فإنه يؤخذ من الورثة ما قبضوا حتى يقضي الدين ويضمن الوصي الثمن الذي دفعه ويكون العتق عن الوصي
وقال مالك فيما ذكره ابن القاسم عنه إن لحقه دين يستغرق جميع ماله رد العبد في الرق وإن لم يستغرقه عتق منه بقدر الثلث بعد الدين ولا يضمن الوصي شيئا إذا لم يعلم بالدين ولم نجد عن الشافعي شيئا منصوصا وقياس قوله أن يضمن الوصي ولا يختلف فيه حكم العلم والجهل
قال أبو جعفر لما اتفقوا على أن الوصي لو كان عالما بالدين ضمن ما دفعه من مال الميت في ثمن النسمة كذلك إذا لم يعلم لأن حقوق الآدميين لا يختلف في ضمانها حكم الجهل والعلم
وقد قال مالك إذا أخطأ القاضي فقتل رجلا بشهادة عبدين أنه يضمن وإن لم يتعمد
وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا كان القاضي أو أمينه أعتق ثم لحق الميت دين بطل العتق وبيع في الدين لأن القاضي لا يلحقه ضمان فيما تصرف فيه من جهة الحكم فلا يكون مشتريا لنفسه ولا ينفذ عتقه لأنه ليس بوصية للميت
2190 - في أمهات الأولاد هل يدخلن في الموالي
قال أبو حنيفة ومحمد في رجل أوصى بثلث ماله لمواليه لم تدخل فيه أمهات أولاده ولا مدبروه وإنما يدخل فيه من عتق منهم قبل موته
وروى بشر عن أبي يوسف أنه قال تدخل فيه أمهات أولاده ومدبروه وكل من عتق بموته ثم رجع أبو يوسف فقال لا يدخلن إلا من عتق قبل موته
وقال ابن القاسم عن مالك تدخل أمهات أولاده ومدبروه وهو قول الليث
قال أبو جعفر الوصية إنما تستحق بالموت فمن لم يكن من مواليه في تلك الحال وإنما يثبت له الولاء بعد ذلك فلا يدخل في الوصية
2190 - م في الوصية للموالي
قال محمد في الجامع ولم يذكر خلافا في رجل عربي أوصى لمواليه وله موالي أعتقهم ولهم أولاد وموالي أعتقهم مواليه فالوصية لمواليه الذين أعتقهم ولأولادهم ولا شيء منها لموالي مواليه ولو لم يكن له موالي أعتقهم ولا أولادهم قد ماتوا وله موالي أعتقهم مواليه فالوصية لموالي مواليه وإن لم يكن واحد من هؤلاء وكان له موالي أعتقهم ابنه وقد مات فورث ولاءهم فلا شيء لهؤلاء وإن كان يرث ميراثهم لأنهم ليسوا مواليه
وقال زفر الوصية لمواليه الذين أعتقهم ولموالي أبيه إذا كان قد ورث ولاءهم وكذلك إن كان له موالي قد ماتوا
وقال بشر عن أبي يوسف في رجل عربي أوصى بثلث مال لمواليه وقد أعتق عبدا وأعتق عبده عبدا فإن عبد العبد المعتق لا يدخل في الوصية وإن كان الذي أعتقه ميتا لأنه ينسب إليه وإن كان ميتا وإنما يرثه المولى الأعلى لو كان حيا بولاء الميراث لا بولاء العتق
وقال ابن القاسم عن مالك إذا أوصى بصدقة على مواليه دخل فيه كل من يرثه بالولاء من موالي أبيه وذوي قرابته ويعطي الأقرب فالأقرب إلا أن يكون في الأباعد من هو أحوج من الأولين ويبدأ بأهل الضعف والحاجة
وقال الليث في رجل أعتق عند موته رقيقا وأوصى ببقية الثلث لمولاه ولأبيه وعمه موالي فالوصية لموالي أبيه وعمه خاصة
وقال الليث إذا قال داري حبيس على موالي وله أولاد موالي أنهم يدخلون في ذلك
وقال الربيع عن الشافعي في مسائل الحبس وإن قال موالي من أسفل ولولده موال من أسفل لم يدخل في ذلك إلا مواليه خاصة وولد مواليه ولم يدخل في ذلك موالي مواليه
قال أبو جعفر ويحتج لمذهب مالك بما روى ابن لهيعة عن ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لزيد بن حارثة لما اختصم هو وعلي وجعفر في ابنة حمزة أما أنت يا زيد فمولاي مولاها