كتاب المأذون في التجارة
2313 - في الإذن في تجارة خاصة
قال أصحابنا إذا قال لعبده اقعد قصارا أو صباغا فهذا إذن له في التجارات كلها وإذا أذن له في تجارة خاصة فهو مأذون له في سائر التجارات وإن قال له أجر نفسك في البقالين أو في عمل من الأعمال فهذا إذن منه في سائر التجارات
ولو قال أجر نفسك من فلان لم يكن مأذونا له في التجارة لأنه أمره أن يؤاجر نفسه من إنسان بعينه فإذا أرسل عبده ليشتري له ثوبا أو أرسل جاريته لتشتري له لحما بدرهم فهذا في القياس إذن في التجارة ولا يكون إذنا استحسانا
وقال الحسن بن صالح إذا أذن له في نوع من التجارات فهو إذن في التجارات كلها
وقال الثوري إذا أذن له في تجارة خاصة فهو مأذون له فيها خاصة لا يجوز له أن يتجر في غيرها وهو قياس قول الشافعي فيما رواه الربيع
وقال ابن القاسم عن مالك إذا خلى بينه وبين الشراء والبيع فهو مأذون له في التجارة كلها وإذا قال له أد إلى الغد لم يكن مأذونا في التجارة فإن
أقعده قصارا لم يكن مأذونا له قال ولا يشبه هذا البز لأن هذا عامل بيده قد عرف الناس حاله وأنهم لم يؤمروا بمداينته
وقال الأوزاعي في رجل أذن لعبده في التجارة فزعم المولى أنه لم يأذن له إلا في خاص منها قال عليه البينة بذلك وإلا فهو ضامن لجميع ما لحق العبد من الدين
قال أبو جعفر لما اتفقوا على جواز تخصيص الوكالة بالقصارة أنه غير جائز له أن يتعداها وإن دخل فيها شراء الصابون والأشنان فكذلك الإذن في القصارة يجوز أن يكون خاصا فيها دون غيره ولما جازت المضاربة الخاصة في نوع من التجارات كان كذلك حكم الإذن في التجارة
2314 - في العبد المأذون له هل يكون عليه دين لمولاه
قال أصحابنا لا يثبت للمولى على عبده دين سواء كان عليه دين أو لم يكن وهو قول الشافعي فيما يقتضيه معنى مذهبه
وقال ابن القاسم عن مالك في العبد المأذون إذا داينه سيده لزم ذلك العبد ويضرب بدينه مع الغرماء ما لم يحابي العبد سيده
قال وقال مالك إذا كان مع العبد مال لسيده قد دفعه إليه يتجر به فلحق العبد دين فإن الدين الذي لحق العبد يكون في مال سيده الذي دفعه إلى العبد يتجر به وفي مال العبد ولا يكون في رقبة العبد ويكون بقية الدين في ذمة العبد ولا يكون في ذمة السيد من ذلك الدين شيء
قال أبو جعفر العبد لا يملك إذا كان ملكا لغيره ولا يجوز أن يكون لمولاه عليه دين لاستحالة وجوب الدين له في مال نفسه لأنه لو كان يجب له في ماله دين كان قد وجب له على نفسه دين وهذا محال
2315 - في عارية المأذون وهديته
قل أصحابنا يجوز هدية العبد التاجر الطعام ودعوته وعاريته دابته وكره كسوة الثوب والدنانير
وقال ابن القاسم عن مالك لا يجوز للعبد أن يعطي من ماله شيئا بغير أمر سيده سواء كان مأذونا له في التجارة أو غير مأذون له وكذلك العارية والدعوة إلى الطعام إلا أن يكون مأذونا له في التجارة فيصنع ذلك ليجتر به إليه المشتري منه فيطلب بذلك المنفعة في شرائه وبيعه فيكون هذا من التجارة ويجوز فإن علم أن أهله لا يكرهون الدعوة فأجاز له ذلك
وقال ابن وهب سألت الليث عن عبد مملوك في منزل تمر به وهو فيه يقدم إليك طعاما لا تدري هل أمره سيده أم لا
قال الليث الضيافة حق واجب وأرجو أن لا يكون بذلك بأس إن شاء الله
وقال الحسن بن حي المأذون له في التجارة لا يهب ولا يصدق ولا يتزوج وهو بمنزلة المملوك المحجور عليه إلا في البيع والشراء
قال أبو جعفر العبد لا يملك فحاله بعد الإذن في الهدية والعارية والدعوة كهو قبل الإذن إذ ليس ذلك من التجارة فإن احتج بحديث سلمان الفارسي الذي رواه عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن أسد عن ابن عباس قال حدثني سلمان الفارسي ذكر الحديث بطوله وذكر فيه أنه كان عبدا قال فلما أمسيت جمعت ما كان عندي ثم خرجت حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من أصحابه فقلت بلغني إنه ليس بيدك شيء وأن معك أصحابك
وأنتم أهل حاجة وغربة وقد كان عندي شيء وضعته للصدقة فلما ذكر لي مكانكم رأيتكم أحق به ثم وضعته له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلوا وأمسك هو ثم أتيته بعد أن تحول إلى المدينة وقد جمعت شيئا فقلت رأيتك لا تأكل الصدقة وقد كان عندي شيء أحببت أن أكرمك به ليس بصدقة فأكل وأكل أصحابه
وروى شريك عن عبيد المكتب عن أبي الطفيل عن سلمان قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة فردها وأتيته بهدية فقبلها ورواه ابن بريدة أيضا عن أبيه عن سلمان
فإن هذا ليس فيه حجة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل سلمان أمأذون هو أو محجور عليه وجائز أن يكون إنما قبل هديته على ظاهر الحرية وإن كان الباطن خلافها كما بايع المملوك الذي بايعه في حديث جابر بن عبد الله على ظاهر الحرية وقد كان عبدا
وحديث جابر يرويه الليث عن أبي الزبير عن جابر أنه قال جاء عبد فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الهجرة ولا يشعر النبي صلى الله عليه وسلم أنه عبد فجاء سيده يريده فقال النبي صلى الله عليه وسلم بعنيه فاشتراه بعبدين أسودين ولم يبايع أحدا حتى يسأله أعبد هو فجائز أن يكون قبل هدية سلمان على هذا الوجه