أضل أعملهم
[محمد: 1] أي: أبطل أعمالهم وأحبطها فلم ينفعهم منها شيء وهذا معنى قوله: (وهل يجازى إلا الكفور).
34.18-21
قال عز وجل: ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التى باركنا فيها ﴾ قال في رواية الكلبي إنهم قالوا للرسل إنا قد عرفنا نعمة الله علينا فوالله لئن يرد الله فيئتنا وجماعتنا والذي كنا عليه لنعبدنه عبادة لم يعبدها إياه قوم قط فدعت لهم الرسل ربهم فرد الله لهم ما كانوا عليه وأتاهم نعمة وجعل لهم من أرضهم إلى أرض الشام قرى متصلة بعضها إلى بعض فذلك قوله وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها ﴿ قرى ظهرة ﴾ ثم عادوا إلى الكفر فأتاهم الرسل فذكروهم نعمة الله فكذبوهم فمزقهم الله كل ممزق وقال غيره ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التى باركنا فيها ﴾ هذا حكاية عما كانوا فيه من قبل أن يرسل عليهم سيل العرم قرى ظاهرة يعني متصلة على الطريق من حيث يرى بعضها من بعض ﴿ وقدرنا فيها السير ﴾ للمبيت والمعيل من قرية إلى قرية ﴿ سيروا فيها ﴾ يعني ليسيروا فيها، اللفظ لفظ الأمر، والمراد به الشرط والجزاء فلم يشكروا ربهم فسألوا ربهم أن تكون القرى والمنازل بعضها أبعد من بعض ﴿ ليالي وأياما آمنين فقالوا ربنا بعد بين أسفارنا ﴾ وقد كانوا في قراهم آمنين منعمين فذلك قوله: ﴿ ليالي وأياما آمنين ﴾ يعني أنهم كانوا يسيرون من قرية إلى قرية بالليل والنهار آمنين من الجوع والعطش واللصوص والسباع، قرأ ابن كثير وأبو عمرو بعد بغير ألف وتشديد العين وقرأ الباقون باعد بالألف، وهما لغتان بعد باعد، وقرأ يعقوب الخضرمي وكان من أهل البصرة ربنا بضم الباء باعد بنصب العين وهو على معنى الخبر، وروى الكلبي عن أبي صالح أنه قرأ هكذا معناه ربنا باعد بين أسفارنا فلذلك لا ينصب ثم قال ﴿ وظلموا أنفسهم ﴾ بالشرك وتكذيب الأنبياء ﴿ فجعلنهم أحاديث ﴾ يعني أهلكهم الله تعالى فصاروا أحاديث للناس يتحدثون في أمرهم وشأنهم لم يبق أحد منهم في تلك القرى ﴿ ومزقنهم كل ممزق ﴾ أي فرقناهم في كل وجه فألقى الله الأزد بعمان الأوس والخزرج بالمدينة وهما أخوان وأهل المدينة كانوا من أولادهما إحدى القبيلتين الخزرج والأخرى الأوس فسموا بإسم أبيهم وخزاعة بمكة كانوا بنو خزاعة منهم لخم وجذام بالشام، ويقال: كلب وغسان ﴿ إن فى ذلك لآيات ﴾ أي: في هلاكهم وتفريقهم لعبرات ﴿ لكل صبار شكور ﴾ يعني للمؤمنين الذين صبروا على طاعة الله تعالى وشكروا نعمته قوله عز وجل: ﴿ ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ﴾ يعني على أهل سبأ، ويقال: هذا ابتداء يعني جميع الكفار وذلك أن إبليس قد قال:
لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين
[ص: 82-83] فكان ذلك ظنا منه فصدق ظنه ﴿ فاتبعوه إلا فريقا ﴾ يعني طائفة ﴿ من المؤمنين ﴾ وهم الذين قال الله تعالى
إن عبادى ليس لك عليهم سلطن
[الحجر: 42] وقال سعيد بن جبير: كان ظنه أنه قال أنا ناري وآدم طيني، والنار تأكل الطين وكذا روي عن ابن عباس رضي الله عنه قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ولقد صدق بالتخفيف يعني صدق في ظنه وقرأ الباقون صدق بالتشديد يعني صار ظنه صدقا قوله عز وجل ﴿ وما كان له عليهم من سلطن ﴾ يعني لم يكن له عليهم ملك فيقهرهم ويقال يعني ما سلطناه عليهم إلا لنختبرهم من الذي يطيعنا، وقال الحسن البصري رحمه الله والله ما ضربهم بعصا ولا أكرههم على شيء وما كان إلا غرورا وأماني دعاهم إليها فأجابوه، وقال قتادة والله ما كان ظنه إلا ظنا فنزل الناس عند ظنه وقال معمر قال لي مقاتل: إن إبليس لما أنزل آدم - عليه السلام - ظن أن في ذريته من سيكون أضعف منه فصدق عليهم ظنه، فإن قيل في آية أخرى
إنما سلطنه على الذين يتولونه
[النحل: 100] وهاهنا يقول ﴿ وما كان له عليهم من سلطن ﴾ قيل له أراد بالسلطان هناك الحجة يعني إنما حجته على الذين يتولونه وهاهنا أراد به الملك والقهر يعني لم يكن له عليهم ملك يقهرهم به، ويقال: معنى الآيتين واحد لأن هناك قال إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا، وهاهنا قال: وما كان له عليهم من سلطان يعني حجة على فريق من المؤمنين إلا بالتزين والوسوسة منه ﴿ إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها فى شك ﴾ يعني نميز من يصدق بالبعث ممن هو في شك يعني من قيام الساعة وقال القتبي: علم الله نوعان: أحدهما: علم ما يكون من إيمان المؤمنين، وكفر الكافرين من قبل أن يكون، وهذا علم لا يجب به حجة ولا عقوبة والآخر علم الأمور الظاهرة فيحق به القول ويقع بوقوعها الجزاء يعني: ما سلطانه عليهم إلا لنعلم إيمان المؤمنين ظاهرا موجودا وكفر الكافرين ظاهرا موجودا وكذلك قوله: