تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فصل

مشتمل على الرد على من قال: إن الله تعالى جسم وليس بمتألف

قد ذهبت بعض المجسمة إلى موافقة أهل الحق في تقدس الرب سبحانه وتعالى عن خصائص الأجسام وما يثبت لها من الأحكام. وذهبوا إلى منع كون مؤلفا، ثم ساروا إلى أن المعنى بكونه جسماً: وجوده أو قيامه بالنفس. ومن سلك هذا المسلك، آل الكلام معه إلى التنازع في الاطلاق والتسمية نفياً وإثباتاً.

ومما يفسد هذه الطريقة ويوقح بطلانها، ما قدمناه من إنباء الجسم عن التأليف. فمن أراد صرفه عن وجهه والعدول عن قضيته في موجب الله، كان مصدوداً عن ذلك. إذ لا سبيل إلى إزالة قضايا الألفاظ من غير دلالة.

ولو سوغنا تبديل اللغة، ونقلها عن موضوعها في المسميات الجارية تواضعاً واصطلاحاً بين فئة من الناس، فلا سبيل على تجويز في أوصاف الإله لا جماع الأمة. إذ لو جاز ذلك، لجاز للمطلق أن يطلق لفظ المؤلف، وإذا روجع فيه فسّره بالوجود. ومهما ثبت إنباء الجسم في اللغة عن التأليف، ترتب عليه امتناع تسمية الإله به، ولم يجز ذكره في أوصاف الإله نقلا وخروجاً عن اللغة.

ثم نقول لهم: أنتم لا تخلون في إطلاقكم الجسم: إما أن تقولوا: أطلقنا ذلك بلا دليل ولا اقتضاء من عقل وشرع ولغة، وإما أن تسندوا مذهبكم إلى دليل في ظنكم. فإن لم تسندوه إلى دليل، كان الذي ذكرتموه تموه محض التلقيب بناء على التشهي والتمني. ولو ساغ ذلك لساغ اثبات سائر الأبقاب كذلك، لتجوز تسميته زيداً وبكراً وعمرا، تعالى الله عن قول الزائغين. وإن أسندتم مذهبكم إلى دليل فأيدوه بتكلم عليه، ولا يجدون إلى أبدائه سبيلا، إذ مدارك العلوم مضبوطة، وجملتها لا يتلقى منها ما قالوه. فإن من مدارك العلوم العقل، ولا يتقي منه اثبات أصل الأسماء

الشامل في أصول الدين · الصفحة ٣٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشامل في أصول الدينص ٣٣٠