تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وربما استدلوا عند أنفسهم بأن قالوا: لو كان القديم جسما لاستحال منه خلق الأجسام. وهذا أيضاً غير سديد على قواعدهم. فإنه لا يستقيم لهم دليل على إحالة كون الواحد منا خالقاً للأجسام. إذ من أصلهم أنه يجوز أن يقع للواحد منا فعل مباين عن محل القدرة، متولد عن سبب من الأسباب، فلا يأمنون مع ذلك تجويز ثبوت الجسم خلقاً لنا متولداً.

ثم للمعترض أن يقول: لم يمتنع خلق الأجسام علينا من حيث كنا أجساماً وإنما امتنع ذلك علينا لوجه آخر يذكر في أحكام القدر، إن شاء الله عز وجل. فلم تستقم لهم دلالة في نفي التجسيم. وقد أشرنا إلى أصول عمدهم ونقضها.

فصل مشتمل

على ذكر شبه المجسمة والانفصال عنها

ومما تمسكوا به أن قالوا: قد ثبت أن القديم تعالى مخترع على الحقيقة، ثم تدبرنا أحوال الفاعلين شاهداً، فلم نجد فاعلا ليس بجسم، بل استحال ذلك في الشاهد، فيجب القضاء بذلك على كل فاعل. قالوا: وهذا كما أن الواحد منا لما استحال أن يكون عالماً من غير علم، لزم طرد ذلك شاهداً وغائباً. وربما يستشهدون في شبههم هذه بالوجود فيقولون: لما علنا وجوب الوجود للفاعل منا، قضينا بذلك على كل فاعل. فإذا وجب ذلك في وصف الوجود، وجب في الذي تنازعنا فيه.

وهذا الذي ذكروه غير سديد من أوجه: أحدها أن نقول: قد بنيتم كلامكم على كون الفاعل جسما في الشاهد، وهذا مما تمنعون منه. فإن الفاعل عندنا: كل جوهر فرد، فلا تتصف جملة بأنهما تفعل فعلا واحداً. وإذا حرك المحرك يده على الاختيار واقتدار، فلا نقول صدرت الحركات من جملة اليد، بل صدر من كل جزء من أجزاء اليد حركة اختص ذلك الجوهر باكتسابها. فاستبان بذلك أن ما ادعوه في الشاده فهم منه ممنوعون، وعن الاستدلال به مدفوعون. ويتضح

الشامل في أصول الدين · الصفحة ٣٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشامل في أصول الدينص ٣٢٤