فضلا عن تفصيلها. ومن مدارك العلوم موارد الشرع، وليس في شيء منها ما سوغ تسميته تعالى جسما، إذ لم يدل على ذلك كتاب ولا سنة ولا إجماع. ومن مدارك العلوم في الأسمى قضية اللغة، ولو حكمناها في مسألتنا لما قامت على ما يرومه الخصم، إذ ليس في لغة العرب تسمية الوجود جسما، بل في لغتهم ما يناقض ذلك. فإنهم يصفون الأعراض بالوجود، ولو سميت أجساماً أبوه. فإن من سمى علم المرء أو إرادته أو قدرته أجساماً، كان ذلك عرفاً مستبشعاً في قضية اللغة. فإذا بطل تلقي مرامهم من هذه الجهات لم يبق إلاّ التحكم المحض.
فإن قال قائل: بم تنكون على من يزعم أنا أثبتنا ما قللناه قياساً من حيث ورد في الشرع إطلاق النفس في ذكر الله تعالى، واشتمل على ذلك نص الكتاب. فإن الله تعالى قال مخبراً عن عيسى ((تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك)) والنفس تداني الجسم في معناها، فقسناه عليه.
الجواب عن ذلك من أوجه: أحدها: أن نقول: لا يسوغ إثبات اللغات قياساً، وقد أوضحنا ذلك في أصول الفقه. ثم لوقلنا بتجويزه القياس في اللغات، لما كان ما قالوه صحيحاً. وذلك أن القياس إنما يسوغ عند مجوزيه، إذا كان تشبثت القياس باشتقاق الاسم المتلقي منه، ثم طرده فيما يروم فيه القياس. وهذا نحو قياس الفقهاء النبيذ على الخمر تمسكان بمعنى المخامرة أو التخمير. فهذا وجه القياس في اللغة. ولم يوضح خصمنا اشتقاقاً في النفس متحققاً في الجسم فيسوغ له القياس. ثم نقول: من جوز القياس في اللغات منعه في أوصاف الإله، ومن ذلك امتنعوا من تسميته سخياً، وإن ثبت جواز تسميته بالجواد إلى غير ذلك.
ثم نقول: لئن جاز لكم ما قلتموه فسموه جسداً وسخياً وشخصا، قياساً على