لم نشاهد فعالا إلا جمسا، فلزم القضاء بذلك غائباً. وهذا ما لا مهرب عنه.
ولو تتبعت المسائل التي راعي المعتزلة فيها محض الشاهد، لألفيت منها الكثير. ثم إن المعتزلة طردوا عن أنفسهم شبهاً في التجسيم. ونحن نذكرها الآن ونوضح انتفاضها وبطلانها، إما على الأصول كلها، وإما أصولهم.
فمما عولوا عليه أن قالوا: لو كان مؤلفاً لقام به تأليف، ويستحيل قيام المعنى بذات القديم. وهذا الذي ذكروه غير سديد من أوجه: أحدهما: أنهم أندوه إلى فاسد أصلهم في نفي الصفات القديمة، وسنوضح الدلالة القاطعة على ثبوتها إن شاء الله.
ولوجه الآخر في القدح أن نقول: إن لم يبعد منكم الفصل بين الشاهد والغائب في حكم العلم والقدرة والحياة وسائر الصفات، حتى قلتم العالم شاهداً يفتقر إلى العلم، ثم أثبتم القديم عالماً، مع قطعكم بنفي العلم غائباً، فيم تنكون على من يلزمكم مثل ذلك في حكم التأليف.
ونقول: التأليف شاهداً إنما يتصف بذلك عنه قيام التأليف به ويتصف القديم بكونه متألفاً، تعالى الله عن ذلك، من غير تأليف، وهذا لا محيص لهم عنه.
فإن رجعوا فقالوا: إنما نفينا العلم من حيث وجب كونه قالماً، فاستقل هذا الوصف بوجوبه عن علة تفتضيه، وليس يتحقق وجوب التأليف.
فالجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما أن نقول: ثم تنكرون على من قال لكم من المجسمة أن التأليف واجب، كما أ، كونه عالماً واجب؟
فن قالوا: قد قام الدليل على وجوب اتصافه بكونه عالماً، ولم يقم الدليل على اتصافه بكونه مؤلفاً.
قلنا: عدد قيام الدليل على الوجوب لا ينفي الوجوب، فأقيموا دلالة على نفي