ومما بمنعهم من ذلك أيضاً قولهم: إن العلم يقوم بالجزء الواحد منا، والعالم بذلك العلم الجملة دون المحل. فيم تنكرون على من يقول: الجملة المتركبة القديمة عالم واحد بعلم قام بجزء من الجملة، كما أن الإنسان عالم واحد عندهم؟
فإن قال قائل: لم تنصفوا المعتزلة ووجهتم عليهم ما لا يعترفون به، وذلك أن قيام العلم بجزء فرع لإثبات العلم وهم نفوا العلم القديم، فكيف تقدير قيامه بجزء من الجملة أو بالجملة؟
والجواب عن ذلك أن نقول: هذا لا يخلصهم مما أريد بهم. فإنه إذا جاز أن يختص قيام العلم فينا بجزء منا والعالم المجملة دون الجزء الذي هو محل العلم، فلا كل جزء إنه عالم لنفسه، بل يثبت ذلك الحكم للجملة ولا يثبت للآحاد، كما يثبت الحكم من العلم للجملة دون المحل الذي قام المعلم به. فإن لم يبعد أ، يختص المعلم بمحل، ولا يكون ذلك المحل عالماً، لم يختص كل جزء من النفس بصفة نفسية، وحكم العالم للجملة دون آحاد الأجزاء، كما أن حكم العلم للجملة فينا دون محل العلم، وهذا ما لا جواب عنه.
ومما يمنعهم عن نفي التجسيم رجوعهم إلى محض الشاهد في كثير من العقائد من غير تمسك بمعنى يوجب الجمع بين الشاهد والغائب. وذلك أنهم قالوا: القديم تعالى ليس بمرئي، ولو كان مرئيا لوجب أن يتصل به الشعاع. فلما طولبوا بالدليل على إثبات دعواهم، لم يرجعوا إلى أكثر من التمسك بالشاهد.
فقالوا: لا نعقل مرئياً شاهداً إلا في مقابلة وجهة، بحيث تتصل به الأشعة، فقضينا بذلك غائباً.
فقيل لهم: لم قلتم إن ما يثبت شاهداً نقضي بمثله غائباً؟ فعند ذلك ترددوا ولم يبدوا محصولا. فلو جاز المصير إلى محض الشاهد، جاز للمجسمة أن يقولو: