وقوله: ﴿إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون﴾ [آل عمران: 47] يقول جل ثناؤه: إنما ابتدأ الله خلق عيسى ابتداء، وأنشأه إنشاء من غير فحل افتحل أمه، ولكنه قال له: ﴿كن فيكون﴾ [البقرة: 117] لأنه كذلك يبتدع الأشياء ويخترعها، إنما يقول: إذا قضى خلق شيء أو إنشاءه: كن فيكون موجودا حادثا،
لا يعظم عليه خلقه، لأنه لا يخلقه بمعاناة وكلفة، ولا ينشئه بمعالجة وشدة
وقوله: ﴿وإن الله ربي وربكم فاعبدوه﴾ [مريم: 36] اختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة: (وأن الله ربي وربكم) واختلف أهل العربية في وجه فتح «أن» إذا فتحت، فقال بعض نحويي الكوفة: فتحت ردا على عيسى وعطفا عليه، بمعنى: ذلك عيسى ابن مريم،
وذلك أن الله ربي وربكم. وإذا كان ذلك كذلك كانت أن رفعا، وتكون بتأويل خفض، كما قال: ﴿ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم﴾ [الأنعام: 131] قال: ولو فتحت على قوله: ﴿وأوصاني﴾ [مريم: 31] بأن الله، كان وجها. وكان بعض البصريين يقول: وذكر ذلك أيضا عن أبي عمرو بن العلاء، وكان ممن يقرؤه بالفتح إنما فتحت أن بتأويل ﴿وقضى﴾ [الإسراء: 23] أن الله ربي وربكم.
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن · الجزء ١٥ · الصفحة ٥٣٩