ومعنى ﴿ مصدقا.. ﴾ [الأحقاف: 30] أي: القرآن مصدق ﴿ لما بين يديه.. ﴾ [الأحقاف: 30] لما قبله من الكتب السماوية، وما دام مصدقا لها إذن جاء بما جاءت به ولكن يزيد عليها أنه ﴿ يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ﴾ [الأحقاف: 30] بما يناسب عالمية التدين. فكل رسول قبل محمد كان يأتي ليعالج أمراض مجتمعه في زمن محدود ومكان محدود، وقد يتعاصر الرسولان، كما رأينا في سيدنا إبراهيم، عاصره سيدنا لوط، وسيدنا موسى عاصر سيدنا شعيب. فالعالم في هذا الوقت كان في انعزال ووحدة، لم يكن هناك الالتقاء الموجود الآن، والذي يجعل العالم كله كقرية صغيرة، فهذه الحياة المنعزلة تجعل كل مجتمع لا يدري بغيره. لذلك كان لهم مفاسد خاصة تحتاج كل منها إلى رسول ليصلحها ويأخذ بأيدي قومه إلى الله، فقوم عبدوا الأصنام من دون الله، وآخرون طففوا المكيال والميزان، وآخرون انحرفوا جنسيا عن الطبيعة التي خلقها الله، وكل جماعة من هؤلاء تحتاج إلى رسول. لكن لما التقى العالم، ووجدت بينه وسائل انتقال كان لا بد من رسول واحد، لأن المفاسد والآفاق ستتحد، لا بد من رسول واحد يصلح لكل زمان ومكان، لذلك شرف كل زمان ومكان بالجامع للخير في كل زمان ومكان محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. إذن: من الجن جماعة سمعوا وتحملوا مهمة البلاغ، لذلك يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" نضر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها، وأداها إلى من لم يسمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع ".
نعم ومن يدريك لعل المبلغ يكون أحرص على التطبيق من السامع، وقد فطن الشاعر العربي إلى هذا المعنى فقال:
فخذ بعلمي ولا تنظر إلى عملي
واجن الثمار وخل العود للنار
ثم يستمر هؤلاء الجماعة من الجن فى تبليغ قومهم وإنذارهم بما سمعوه: ﴿ يقومنآ أجيبوا داعي الله... ﴾.