يهدي إلى الرشد..
[الجن: 2] وهنا قالوا: ﴿ كتابا أنزل من بعد موسى.. ﴾ [الأحقاف: 30] دل على أن للجن صلة بالأنبياء السابقين، وأنهم مكلفون مثلنا. وفي سورة الرحمن:
سنفرغ لكم أيه الثقلان
[الرحمن: 31] يعني: نفرغ لحسابكم، فبعد أن تركناكم على راحتكم تفعلون ما تريدون، لا تظنوا أن هذه غفلة منا عنكم، إنما أمهلناكم لنؤكد أمر الاختيار الذي خلقناه فيكم ومنحناكم إياه. فالثقلان: الجن والإنس سواء في الحساب، كما هم سواء في التكليف. روي عن سيدنا أنس رضي الله عنه أنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جبل من جبال مكة، فإذا رجل عجوز يقبل علينا معه عكاز يتكىء عليه، فلما رآه رسول الله عرفه. وقال: كأنها مشية جني ونظمته، فقال الرجل: نعم أنا من الجن، فقال له رسول الله: من أنت؟ قال: أنا هامة بن هيم بن لاقيس بن إبليس، فقال له: بينك وبين أبيك إبليس أبوان اثنان؟ قال: نعم، ولقد أدركت من الزمن أكثره وبقى أقله، ولقد شاهدت قابيل وهو يقتل هابيل. فهذه الرواية دليل على طول أعمارهم، وأنهم يتشكلون بأشكال مختلفة، كما يتشكل الملك، فنحن لا نرى الملك على حقيقته، ولا نرى الجني على حقيقته، إلا إذا تشكل في صورة إنسي.
وأنتم تعرفون حديث جبريل الطويل
" لما جاء مجلس النبي صلى الله عليه وسلم في صورة رجل غريب، لكن لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه من الجالسين أحد، حتى جلس بجوار رسول الله، وأخذ يسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان والرسول يجيب، ثم انصرف فلما سأل الصحابة عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه جبريل: جاء يعلمكم أمور دينكم ".
لذلك رأينا بعض أعداء الدعوة المحمدية يثيرون حولها بعض الإشكالات، ومنها قولهم أن يكون الرسول ملكا وهذا إشكال مردود، فلو جاء الرسول ملكا لجاءهم في صورة رجل، وإلا كيف يبلغهم وكيف يكون التلقي عنه؟ إذن: سيظل الإشكال قائما، ثم إن الملك لا تصح الأسوة به، لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فكيف يكون أسوة لمن في طبيعته الخطأ والغفلة والنسيان؟ إذن: شرط في النبي الرسول أن يكون من جنس من أرسل إليهم لتقوم به الأسوة. والحق سبحانه أعطانا صورة تفصيلية لحال الجن، وأن منهم المؤمن والكافر، فقال حكاية عنهم:
وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا * وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا
[الجن: 14-15]. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" لقد قرأت سورة الرحمن على إخوانكم الجن، فكانوا أشد استجابة منكم، كانوا إذا سمعوا ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ ينطقون في نفس واحد: لا بشيء من نعمائك ربنا نكذب "
، فلك الحمد، يكررونها بتكرار الآية. واسمعهم يقولون:
وأنه تعالى جد ربنا..
[الجن: 3] يعني: تعالت عظمته، ولهذه العظمة
ما اتخذ صاحبة ولا ولدا
[الجن: 3] إذن: الجن يعلمون قضايا الإيمان وقضايا التوحيد، وربما كانوا أدق منا في التعبير عنها، ويكفي أنهم حكموا على إبليس بالسفه، فقالوا:
وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا
[الجن: 4]. نعود إلى ما كنا بصدده من قوله تعالى: ﴿ وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن.. ﴾ [الأحقاف: 29] النفر: هم الجماعة من الثلاثة إلى الأربعين، صرفناهم إليك يعني: أتينا بهم إليك بدل أن تذهب أنت إليهم. ﴿ فلما حضروه.. ﴾ [الأحقاف: 29] حضروا القراءة ﴿ قالوا أنصتوا.. ﴾ [الأحقاف: 29] استمعوا باهتمام وتدبر يعني: وصى بعضهم بعضا بالإنصات ﴿ فلما قضي.. ﴾ [الأحقاف: 29] انتهت القراءة ﴿ ولوا إلى قومهم منذرين ﴾ [الأحقاف: 29] ذهبوا إلى قومهم ينذروهم ويبلغونهم ما سمعوه. ﴿ قالوا يقومنآ إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى.. ﴾ [الأحقاف: 30] أي: القرآن، وقولهم ﴿ من بعد موسى.. ﴾ [الأحقاف: 30] يدل على أنهم كانوا على صلة بالرسل السابقين، وأنهم كانوا مؤمنين بسيدنا موسى يعني: كانوا من اليهود. وذكروا موسى دون عيسى - عليهما السلام - لأن كتاب موسى هو المنهج الذي ينظم حركة الحياة وفيه شرائع وأحكام، أما كتاب عيسى فكان مجرد وجدانيات ووصايا، لذلك تنبهوا لهذه المسألة وجمعوا بين الإنجيل والتوراة في كتاب واحد مع وجود عصبية بينهما، وأسموه الكتاب المقدس.