" يروى أن سيدنا رسول الله مر على أهل الصفة فوجدهم يلبسون الملابس المخرقة ولا يجدون ما يرقعونها به، فقال لهم: أي أيامكم خير؟ أهذا اليوم أو يوم يغدي عليكم بجفان ويراح عليكم بجفان، وتغدون في حلة وتروحون في حلة أخرى، وعلى أبوابكم ستائر مثل ستائر الكعبة ".
وسيدنا عمر بن عبد العزيز كان قبل الخلافة مشهورا بأنه الفتى المدلل الذي يتقلب في النعيم ليل نهار، حتى إنه كان يلبس الحرير، وكان الخدم الذين يغسلون له ملابسه يأخذون من الناس رشوة ليغسلوا ملابسهم في الماء الذي غسل فيه ثياب عمر لكثرة ما بها من العطر والطيب. فلما تولى الخلافة زهد في هذا النعيم وعاش حياة الزهد والتقشف، وارتدى الثياب الخشنة، فلما سألوه عن ذلك قال: والله لو شئت لكنت أطيبكم طعاما وأحسنكم ثيابا، لكني أستبقي طيباتي للآخرة، وإن لي نفسا تواقة - يعني: عندهما طموح للأحسن - تاقت للإمارة، فلما نلتها تاقت للخلافة، فلما نلتها تاقت للجنة. لذلك روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان يمر الهلال ثم يمر الهلال، ثم يمر الهلال. يعني: ثلاثة أشهر ما يوقد في بيت محمد نار. قيل: فما طعامكم؟ قالت: الأسودان الماء والتمر. إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار كانت لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألبانهم فيسقينا. إذن: كان بيت سيدنا رسول الله نموذجا ومثالا وأسوة للفقراء. وقوله { في حياتكم الدنيا.
. } [الأحقاف: 20] بالله ساعة تفكر في معنى كلمة الدنيا، هل تجد لها وصفا أدنى وأقل من هذا؟ وساعة تسمع الدنيا لا بد أن تتذكر المقابل، وأن هناك حياة مقابلة توصف بأنها العليا، وهي التي فيها الجزاء. ﴿ فاليوم تجزون عذاب الهون.. ﴾ [الأحقاف: 20] أي: يوم القيامة تجزون على أعمالكم عذاب الهون. يعني: الهوان والذلة، لأنكم استكبرتم في الدنيا عن قبول الحق. ومن الهون هذه أخذت كلمة الهون، وهو الآلة التي ندق فيها الأشياء في المطبخ، فهو آلة الطحن والدق وسحق المادة التي توضع فيه. فكأن العذاب الذي سيلاقونه سيسحق كبرياءهم ويجعلهم أذلة مهانين ﴿ بما كنتم تستكبرون.. ﴾ [الأحقاف: 20] يعني: بسبب استكباركم وتعاليكم عن قبول الحق ﴿ في الأرض بغير الحق.. ﴾ [الأحقاف: 20] دل على أن هناك استكبارا بالحق، وهو أن تتكبر على المتكبر لذلك قيل: الكبر على أهل الكبر صدقة. لذلك كان سيدنا حمزة في الحرب يرتدي عصابة الموت، وهي عصابة حمراء ويرفع سيفه، ثم يسير بين الصفوف يتبختر مزهوا بنفسه، فنظر إليه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: هذه مشية يبغضها الله إلا في هذا الموقف، وقال: رحم الله امرءا أبدى لهم من نفسه قوة. ونفهم من آيات القرآن الكريم أن المؤمن من وصفه في القرآن أنه غير مطبوع على طبع واحد ولا قالب واحد، إنما الموقف الذي يعيشه هو الذي يملي عليه الطبع المناسب للموقف. واقرأ:
محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم..
[الفتح: 29] وقال:
أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين..
[المائدة: 54]. إذن: هو عزيز في موقف، وذليل في موقف آخر، شديد في موقف، ورحيم في موقف آخر، فهو يجمع بين المتناقضين لأن المقام مختلف. وقوله: ﴿ وبما كنتم تفسقون ﴾ [الأحقاف: 20] إذن: هناك استكبار وهناك فسق، الاستكبار: التعالي عن قبول الحق، والفسق: من فسقت الرطبة يعني: خرجت عن قشرتها. والبلح له في استوائه أعمار، فلما يكتمل الحجم يبدأ اللون أحمر أو أصفر ثم يرطب وتكون له قشرة، فإذا كان في بيئة جافة جمد وجف ولصقت القشرة في لحم البلحة، وهذا أجود أنواع التمر. فمعنى الفسق هنا يعني الخروج عن وعاء الطاعة، ولما تتأمل الاستكبار والفسق تجد أنهما يجمعان بين عمل القلب وعمل الجوارح. فالإنسان له قلب وقالب، القلب محل الأسرار والغيبيات، ومحل الإخلاص أو الرياء، ومحل التواضع أو التعالي، فالاستكبار من أعمال القلب، قال تعالى: