لذا توجها إلى الله مباشرة أن يهدي هذا الولد، وأن يشرح صدره، وأن يلين هذا الطبع القاسي، ليسمع ويطيع وينجو، لذلك قلنا: لا تجد إنسانا يحب لك الخير كما يحبه لك والدك، يحب أن تكون أحسن حالا منه، وهذه لا تتوافر إلا في الوالد والولد. إذن: أمام هذا العناد ليس أمام الوالدين إلا التوجه إلى الله مقلب القلوب ومسبب الأسباب، فما ضاقت به أسباب الخلق دعه للخالق سبحانه، فالقلوب بين أصبعين من أصابعه سبحانه يقلبها كيف يشاء. وسبق أن قلنا ذلك في قصة أم موسى لما قال الله لها:
فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني..
[القصص: 7] بالله أتقبل أم تخاف على ولدها أن تلقيه في البحر؟ تقبل أن تنجيه من موت مظنون بموت محقق؟ لكنها آمنت وصدقت ونفذت. لأن الله قلب قلبها، ووارد الرحمن لا يعارضه ولا يعطله وارد الشيطان، لذلك قال تعالى:
واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه..
[الأنفال: 24]. وهذه المسألة حدثت مع فرعون، فحال الله بينه وبين قلبه وما يريد، فهو يبحث عن الأطفال ويقتلهم، ومع ذلك جاءه طفل في صندوق ملقى في البحر، وعلى هيئة مريبة تدعو إلى الشك، ومع ذلك استقبله واحتضنه ورباه وصدق امرأته لما قالت عن الولد
قرت عين لي ولك..
[القصص: 9]. إذن: هذا غباء، ممن؟ من فرعون الذي ادعى الألوهية وقال للناس: أنا ربكم الأعلى. ثم لما نتأمل القصة نجد دلالات أخرى لغباء هذا الرجل، فقد قال له السحرة: إن زوال ملكك سيكون على يد طفل يولد من بني إسرائيل، فما دمت قد صدقت بهذه النبوءة، فلماذا تقتل الأطفال؟ إذن: أقدار الله لا بد أن تتحقق، وأن يهيء لها أسبابها، وهذا هو معنى ﴿ وهما يستغيثان الله.. ﴾ [الأحقاف: 17] يقولان: يا رب أنت قادر على كل شيء وأنت فوق الأسباب، وليس لنا حيلة مع هذا الولد ويعز علينا أن نتركه على كفرة فيهلك. وقد علمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نلجأ إلى الله، فكان إذا حزبه أمر يعني: غلبه وضاقت عنه أسبابه قام إلى الصلاة ليقف بين يدي ربه، فيحل له كل شاق ويهون كل عسير. وكلمة ﴿ آمن ﴾ يعني: انطق بالشهادة واعترف بأن الله إله واحد. ومادة أمن لها في القرآن معان متعددة، تقول: آمنت بالله. وهذا الفعل متعد بالباء يعني: شهدت وصدقت، وأمنت له: صدقته كما في قوله تعالى:
ومآ أنت بمؤمن لنا..
[يوسف: 17] يعني: مصدق، وأمنته يعني أعطيته الأمان. وقولهما: ﴿ إن وعد الله حق.. ﴾ [الأحقاف: 17] يؤكدان له هذه الحقيقة، وما دام حقا فسوف يحدث ولا مفر منه، لأن الله إله واحد لا شريك له، ولا أحد ينقض هذا الوعد أو يعارضه، وهو سبحانه القادر القوي الذي يملك إنفاذ ما وعد به.
لذلك قال تعالى في شأن الساعة:
أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون
[النحل: 1] هكذا بالفعل الماضي، لأن وعد الله يستوي فيه الماضي والحاضر والمستقبل، فهو سبحانه خالق الزمن ومالكه والمتصرف فيه، فيعبر عن المستقبل بالماضي لأنه يعلم أنه لا توجد قوة تعارضه. إذن: فالقيامة التي ستأتي في المستقبل أتت بالفعل وهي حادثة لا شك فيها، لذلك يتصرف في الكون بشهادته سبحانه لنفسه، فأول من آمن آمن الله بذاته سبحانه، فقال:
شهد الله أنه لا إله إلا هو..
[آل عمران: 18]. فقد شهد الله لذاته قبل أن يشهد بذلك أحد من خلقه، وكأنه سبحانه بهذه الشهادة يقبل على كل شيء يريده وهو يعلم أنه لن يتخلف، وما هي إلا كن فيكون. كذلك سيدنا رسول الله يشهد لنفسه بالرسالة قبل أن يشهد بها أحد، ففي رواية
" أن سيدنا جابر بن عبد الله كان عليه دين لرجل يهودي، ووعده حين يثمر النخل أن يجز نخله ويقضيه دينه، فلما جاء أوان الثمر خاب ولم يعط الثمر المرجو منه، وعجز جابر عن السداد. فذهب بعض إخوان جابر وحكوا القصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث لليهوي وقال له: أنظر جابرا حتى يقضي ما عليه. فقال: لا يا أبا القاسم، فأعاد الرسول عليه: أنظر جابرا. فقال: لا يا أبا القاسم. فتركه رسول الله وذهب إلى بستان جابر ومر خلاله، ثم قال: أين عريشك يا جابر؟ فأخذ جابر رسول الله وأجلسه في عريشه، فقال: دعني هنا يا جابر واذهب فجذ واقض ما عليك، فذهب جابر إلى نخله فجذ منه حتى قضى ما عليه وبقي له ما يكفيه، فجاء بطبق من الرطب إلى رسول الله وقال له: يا رسول الله قضيت ما علي وبقي لي ما لم يكن يبقى في أي عام سابق، عندها ضحك سيدنا رسول الله وقال: أشهد أني رسول الله ".