تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم

[محمد: 17] وهذا النوع هو النوع الثاني من الهداية، وهي هداية المعونة والتوفيق. فقوله تعالى: ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ [الأحقاف: 10] يعني: لا يهديهم هداية معونة، لذلك قال عن ثمود:

وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى..

[فصلت: 17] أي: هديناهم هداية دلالة وإرشاد فاستحبوا العمى والضلال وفضلوه على الهدى فأعانهم الله عليهم، كما أعان أهل الهدى على هداهم. وتذكرون المثل الذي ضربناه سابقا لتوضيح هذه القضية قلنا: لو أنك سألت رجل المرور مثلا عن الطريق فدلك عليه فأخذت بقوله وشكرته فإنه يزيدك إرشادا، وربما ذهب معك حتى يوصلك إلى غايتك. إذن: الحق سبحانه لا يهدي القوم الظالمين بسبب ظلمهم، ولا يهدي القوم الفاسقين بسبب فسقهم، ولا يهدي القوم الكافرين بسبب كفرهم. وقبل أن نتجاوز هذه الآية ينبغي أن نذكر هنا أن عبد الله بن سلام قبل أن يعلن إسلامه سأل رسول الله عن أشياء ثلاثة، أراد بها أن يستوثق من صدق رسول الله، فقال له: ما شرط الساعة أو علامتها؟ قال: نار تخرج من قبل المشرق فتحشرهم إلى المغرب. قال: ما أول ما يأكل أهل الجنة؟ قال زيادة كبد الحوت، قال: متى ينزع الولد إلى أبيه؟ ومتى ينزع إلى أمه؟ أو: متى يأتي الولد ومتى تأتي الأنثى؟ قال صلى الله عليه وسلم:

" إذا سبق ماء الرجل نزع الولد إلى أبيه، وإذا سبق ماء المرأة نزع الولد إلى أمه ".

وهذه المسألة الأخيرة أثبتها العلم الحديث وأثبتتها الأبحاث، ودلت على الإعجاز في الحديث النبوي الشريف وعلى صدقه صلى الله عليه وسلم، ذلك لأن الرجل والمرأة شركة في عملية الإنجاب.

البعض يتصور أن العملية الجنسية هي التي تأتي بالولد، لا فما هي إلا إثارة تمكن الرجل من إخراج الميكروب المنوي، أما ماء المرأة فلا دخل له في الإنجاب، كيف؟ لأن البويضة التي تحتضن الميكروب، لها مواعيد تنزل فيها بصرف النظر عن العملية الجنسية، فهي موجودة إذن بطبيعة الحال، فإن صادفت وجودها عملية جنسية تسابق ماء الرجل إليها وهي في مكانها. إذن: لا دخل للبويضة في تحديد النوع كما أثبت العلم الحديث. وإذا فهمنا المعنى اللغوي لكلمة سبق تأكدنا من موافقة الحديث النبوي للعلم، فالسبق يعني انطلاق المتسابقين من مكان واحد، فنقطة الاندفاع واحدة إذن. نفهم من هذا أن التسابق بين الحيوان المنوي الذي يمثل الذكورة والحيوان المنوي الذي يمثل الأنوثة، فأيهما سبق كان النوع له، وعليه فدور المرأة أنها حاضنة لا يلقيه الرجل. صحيح أن القرآن جاء كتاب عقائد ومنهج وتشريع، وهو أيضا كتاب إعجاز يمس الكونيات بقدر ما تتسع له العقول، وخصوصا أنه نزل في أمة أمية، وهل بالله كان من الممكن أن يقال في هذه الأمة إن الأرض كروية، لو قلنا هذا في هذا الوقت لقالوا: كذب. لذلك يأتي القرآن بهذه الحقائق الكونية يغلفها ليؤجل فهمها إلى أن تنضج العقول وتستطيع إدراك هذه الحقائق، ويترك للزمن وأحداثه أن يشرح هذه الآيات، فإذا ما توصلنا إليها وجدنا لها دليلا ونصا من كلام الله. وهل فهم العرب الذين استقبلوا القرآن معنى قوله تعالى:

وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب..

[النمل: 88]؟ الجبال نراها في الواقع ثابتة مستقرة، فمعنى مرورها أنها تدور بدوران الأرض. ونقرأ:

يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل..

[الزمر: 5] إذن: الأرض شبه كرة تدور. أعطانا الحق سبحانه هذه المعاني مغلفة حتى لا تفاجىء الناس فينصرفوا عن القرآن. فهذا الكون كله بآياته الكونية هو الذي يشرح لنا معنى قوله تعالى:

سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق..

[فصلت: 53] والسين كما تعلمون تدل على الاستقبال. وهذا يعني أن هذه الآية سيظل معناها قائما وله مدد من الآيات إلى قيام الساعة، بحيث تتجلى الآيات وفق ما يتناسب وعقول الناس وتطور علومهم وإمكاناتهم. وقد شرح القرآن الكريم مسألة خلق الإنسان، وشرح معنى كلمة الرسول صلى الله عليه وسلم " إذا سبق ماء الرجل.. " واقرأ قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٤٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٤٧٥