[الجن: 9]. لذلك رأينا أن العرب كانوا يحتكمون إلى الكهان ويصدقونهم، يروى أن هندا امرأة أبي سفيان كانت قد تزوجت رجلا اسمه الفاكه بن المغيرة وكان سيدا من سادات قريش، وبيته مفتوح للقوم يأتيه كل محتاج لشيء، يقولون: اذهبوا إلى الفاكه، لأن بيته كان قريبا من نادي القوم. وفي يوم من الأيام نزلت هند تباشر أمور بيتها، فوجدت رجلا نائما في ساحة البيت فرجعت، وفي هذه اللحظة دخل الفاكه ورأى الرجل النائم فداخله الشك في امرأته، فقال لها: الزمي بيت أبيك فذهبت إلى أبيها عتبة، وشاع عند العرب أن الفاكه اتهم امرأته بكذا وكذا. جاء أبوها عتبة وقال للفاكه: يا فاكه لقد جنت ابنتي، يعني: رميت بشيء، ولا أرى إلا أن نحتكم إلى الكاهن ليقضي لنا في هذه المسألة، فاجمع من رجالك ومن نسائك من شئت، وتكون ابنتي في وسطهم، ونذهب إلى الكاهن ونسأله. كانت هند امرأة عاقلة، فقالت: يا أبي إنك تأتي إلى بشر يخطئ ويصيب، وربما رماني بشيء ليس في، فتضل سبة لي وسبة لك، فقال لها: اطمئني فأبوك ليس أحمق إلى هذا الحد، ولن أعرض أمرك عليه إلا إذا أخبرني بالخبيء الذي خبأته له، وقبل أن يصل إلى الكاهن، وكان يركب مهرا فنزل في خلاء وصفر للمهر فأدلى المهر متاع مائه، ففتح عتبة فتحة متاع المهر ووضع فيها حبة قمح، ثم ركبه إلى الكاهن. ثم قال له: لن أعرض عليك أمري حتى تخبرني بخبء خبأته لك. قال له الكاهن: حبة بر في إحليل مهر. قال: أعد، قال: برة في كمرة، فأخبره عتبة بأمر ابنته وهي في وسط النساء فمر الكاهن يمسك برؤوس النساء واحدة بعد الأخرى حتى وصل إلى هند وتوقف عندها، ولم يكلم الأخريات، وعند هند قال لها: قومي غير رسحاء ولا زانية، وستلدين ملكا اسمه معاوية.
هذ أخبار صحت، وهي من استراق السمع لا تدل أبدا على معرفة الكاهن للغيب. فلما برئت هند وارتفعت رأسها بين القوم أراد الفاكه أن يتمحك فيها، يعني: عفا الله عما سلف، وهيا بنا إلى البيت، فقالت له: والله لقد غرك ملك معاوية، ولأحرصن أن يكون من غيرك.. اذهب عني، وبعدها تزوجت أبا سفيان وولدت له معاوية. أنهى الله هذه المسألة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يسترق شيطان سمعا بعد بعثته صلى الله عليه وسلم، يقول تعالى:
وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع..
[الجن: 9] يعني: قبل البعثة
فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا
[الجن: 9] وبذلك حمى الله منهج السماء أن تدنسه شهوات الشياطين. ﴿ ذلك تقدير العزيز العليم ﴾ [فصلت: 12] العزيز الذي لا يغلب، وما دام لا يغلب، فلن يستطيع شيطان أن يسترق السمع، ويأخذ شيئا من الأخبار، وهو سبحانه عليم بمصالح الخلق.