وأعتدت لهن متكئا..
[يوسف: 31] فالمتكأ دل على أن المجلس لا يمل، وأن الاتكاء هو الوضع الذي يأخذ فيه الإنسان راحته. وقال تعالى في أهل الجنة:
متكئين على فرش بطآئنها من إستبرق وجنى الجنتين دان
[الرحمن: 54]. وقال أيضا في سورة الرحمن:
متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان
[الرحمن: 76]. وقال أيضا في بيان متكأ أهل الجنة:
متكئين فيها على الأرآئك..
[الكهف: 31]. إذن: أهل الجنة يتكئون إما على الفرش المبطنة بالإستبرق، وهو الحرير السميك الغليظ، وهو يشبه ما نسميه الآن الستان، وإذا كانت هذه الفرش حشوها وبطانتها من إستبرق، فما بالك بظاهرها؟ ومعنى رفرف هو ما نسميه الآن الكرانيش الموجود مثلا في الستائر. ومعنى الأرائك مفردها أريكة، وهي السرير الذي توضع عليه الحليات والستائر أشبه بالنموسية مثلا. هذه هي متكاءات أهل الجنة. لكن ماذا بعد أن يتكئ؟ لا بد لتمام النعيم من الطعام والشراب فهو لا يتكئ ويصوم، إنما ﴿ يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب ﴾ [ص: 51] فكأن التحية التي تقدم لهم هي ما تشتهيه نفوسهم. يعني: لا يقدم لهم شيئا على غير مرادهم، إنما حسب ما يرغبون وما يشتهون، فالتحية ليست ملزمة للجميع لأنها قد لا تصادف هوى في النفس، وقدم الفاكهة مع أنها تفكه ورفاهية بعد القوت الطبيعي والضروري، قالوا: وجود الفاكهة أو التفكه دليل على وجود الضروريات من باب أولى. وقوله ﴿ وشراب ﴾ [ص: 51] المراد الشراب المستخرج من العنب، وخص الفاكهة والشراب لأنها لم تكن موجودة في البيئة التي نزل فيها القرآن، فكان لها لذة عندهم، فهم لا يعرفون في طعامهم إلا التمر والبر والشعير، فذكر لهم ما يشتهونه من الطعام والشراب. وفي موضع آخر قال سبحانه:
وفاكهة مما يتخيرون * ولحم طير مما يشتهون
[الواقعة: 20-21]. وفي سورة البقرة يبين لهم أن فاكهة الآخرة تختلف عما يعرفونه من فاكهة الدنيا وإن تشابه الاثنان، فالشكل واللون واحد، لكن المذاق مختلف، قال تعالى:
كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشبها ولهم فيهآ أزوج مطهرة وهم فيها خلدون
[البقرة: 25]. إذن: الثمرة هي الثمرة، تفاح مثل التفاح، حتى أنك تقول: هذا الذي أكلته في الدنيا، والحقيقة أنه مختلف تماما لأنه معد لك بطلاقة القدرة. وفي مواضع أخرى يوضح لنا القرآن الكريم مجلس أهل الجنة فيحدثنا مرة عن الفرش والمتكأ، فيقول:
فيها سرر مرفوعة * وأكواب موضوعة * ونمارق مصفوفة * وزرابي مبثوثة
[الغاشية: 13-16]. النمارق جمع نمرقة، وهي التكاية التي نتكئ عليها. والزرابي: جمع زريبة، وهي البساط المنقوش. وإذا حدثنا عن أدوات الشراب يقول مرة أكواب ومرة أباريق ومرة كأس. هذه كلها أوعية للشراب، لكن هناك فرقا بين هذه الثلاثة: فالكوب هو الإناء الذي ليس له عروة ولا خرطوم، عروة يعني يد يمسك منها: والخرطوم هو الذي نسميه البزبوز الذي يصب منه الماء، فإن كان له عروة أو خرطوم سمي إبريقا، فإن كان في الكوب شراب سمي كأسا، يعني: الكأس هو الكوب إن كان ممتلئا، وإن كان فارغا فهو كوب. ومن عادات العرب في الكاسات أن الواحد منهم لا يشرب كل ما فيها، إنما يبقي فيها كمية من الشراب، ثم يريقها على الأرض، وفي هذا دلالة على عدم الشره وعدم الطمع، أو دلالة على امتلاء العين والاستغناء. وقد عبر الشاعر عن هذا المعنى بقوله:
وللأرض من كأس الكرام نصيب
وكنا قبل أن نذهب إلى طعام أحد الإخوان حين ندعى إليه نأكل أكلة خفيفة، أو طبقا نسميه طبق الكرامة، حتى لا نجلس على الطعام ونحن متلهفون للطعام، فلا يليق بالكريم أن يقبل على الطعام بشره، كأنه لم ير طعاما من قبل. ومن عادات العرب أيضا في شرابهم أنهم لا يملئون الكأس إلى آخرها، حتى يستطيع الشارب أن يميز الشراب من الكأس التي وضعت فيه، وهذا يدل على صفاء الشراب أو صفاء الكأس. لذلك قال شاعرهم: