[طه: 115]. لكن لماذا يقع آدم - عليه السلام - في هذا الابتلاء؟ قالوا: لأن آدم سيكون أبا للبشر جميعا، وسيكون ممثلا لصنفين منهم، صنف معصوم من الخطأ وهم الأنبياء والرسل، وصنف يخطئ وهم عامة الناس، إذن: لا بد أن تتمثل في حياته هاتان الصورتان، وقد وقع منه العصيان وهو في الجنة في فترة الاختبار التكليفي كما قلنا، وعصيانه هذا لا ينافي عصمة الأنبياء، لأنه لم يكن قد نبئ بعد، لكن تاب آدم فتاب الله عليه
فتلقى ءادم من ربه كلمت فتاب عليه..
[البقرة: 37]. وقال:
ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى
[طه: 122]. إذن: كان الاجتباء والاختيار للنبوة بعد المحنة التي وقع فيها، وبعد الاجتباء عصم آدم عصمة الأنبياء، وكلمة
ثم اجتباه ربه..
[طه: 122] دلت على التعقيب ووجود مدة بين عصيان آدم واجتبائه. إذن: قوله تعالى: ﴿ جنات عدن.. ﴾ [ص: 50] أي: في دار الجزاء ومعنى ﴿ عدن ﴾ يعني: إقامة دائمة لا تزول ولا تنتهي، وقال عدن لأن جنات الدنيا ينتفع بها صاحبها مدة ثم تزول، فإما أن تصيبها جائحة، كما في قوله تعالى في قصة أصحاب الجنة:
إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون * فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون * فأصبحت كالصريم
[القلم: 17-20] وإما أن يموت هو ويتركها لغيره. لذلك أراد الحق سبحانه أن يطمئن أهل طاعته بأن الجنة التي أعدها لهم باقية دائمة لا تزول، جنات إقامة دائمة خالدة، لا يفوتك نعيمها ولا تفوته. وقوله سبحانه: ﴿ مفتحة لهم الأبواب ﴾ [ص: 50] مفتحة اسم مفعول يدل على المبالغة وكثرة تفتيح الأبواب، فمن الذي يفتحها؟ يجوز فتحها الخزنة ساعة يرون أهل الجنة قادمين يفتحون لهم ويحيونهم
حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين
[الزمر: 73]. كما نرى مثلا في الفنادق الكبيرة، يقف الحراس والحجاب على الباب، وساعة يأتي الزائر يفتحون له الباب، لكن لما ارتقوا بهذه المسألة رأينا الأبواب تفتح وحدها أتوماتيكيا بمجرد الاقتراب منها، فإن دخل الزائر تغلق أيضا تلقائيا. فيجوز أن الأبواب تفتح بفعل الملائكة، أو تفتح بمجرد إرادة أهل الجنة، فساعة يريد أن يدخل تفتح له دون تدخل من أحد. فإذا كان البشر قد توصلوا إلى هذه الدرجة في مسألة فتح الأبواب، فهذا التقدم يؤيد ما جاء به القرآن، ومن ذلك أيضا قوله تعالى:
ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون
[الزخرف: 33]. لقد رأينا هذه السقف وهذه المعارج، وقد يراد بها السلالم والأسانسيرات التي نصعد فيها الآن، وقد نزل هذا الكلام منذ ما يزيد على أربعة عشر قرنا من الزمان على أمة أمية متبدية، لا تعرف المباني، إنما تسكن الخيام وبيوت الشعر والوبر. إذن: في القرآن لقطات تدلك على أن في كتاب الله رصيدا لكل ما يجد في حياة الناس، فإن تعجبت لشيء في كتاب الله فاعلم أن الواقع يؤيده، وأنكم أيها الخلق ستصلون في علومكم وارتقاءاتكم إلى مثل ما تتعجبون منه، فإذا كنتم قدرتم أن تفعلوا ذلك فاسمحوا لله تعالى أن يفعله من باب أولى. ثم يقول سبحانه في وصف أهل الجنة ﴿ متكئين فيها.. ﴾ [ص: 51] المتكئ هو ما بين النائم والجالس، أو ما بين النائم والقاعد لأن هناك فرقا بين قعد وجلس - وإن كان المعنى واحدا - لأن قعد تكون عن قيام، كان قائما فقعد، أما جلس فمن الاضطجاع، يعني كان مضطجعا فجلس.
والإنسان حين يكون قائما يحمل وزنه كله على القدمين، فإن تعب من القيام قعد، وفي القعود يكون ثقل الجسم على المقعدة، فإن تعب من القعود اتكأ على جنبه.. وهذا وضع بين الجلوس والاضطجاع على الأرض، ويوزع فيه ثقل الجسم فيكون أكثر راحة للإنسان. لذلك اختاره الله لأهل الجنة، واختارته امرأة العزيز للنسوة اللاتي استضافتهن. قال تعالى: