يد الله فوق أيديهم..
[الفتح: 10]. فإذا كان الإنسان غير واجد للمال، وغير قادر على النصح باللسان، فإن الله تعالى لا يحرمه أبدا من العمل الصالح في البذل، ويكتفي منه بأن يفرح بمن يبذل ويسعده العطاء من غيره. ومثال ذلك: الرجل الذي سمعوه يدعو عند الكعبة يقول: اللهم إنك تعلم أني عاصيك، لكن أحب من يطيعك. والأصمعي يسمع رجلا عند الملتزم يدعو ويقول: يا رب أنا أعلم أني عاصيك وأستحي وأنا عاصيك أن أطلب منك، لكن لا إله إلا أنت، فلمن أذهب فقال له: يا هذا، إن ربك يغفر لك لحسن مسألتك. ومعلوم أن المؤمن يجتهد في الدعاء خاصة عند الملتزم، ويحاول أن يحسن الدعاء، ويحسن المسألة في هذا الموقف. مرتبة أخرى يجعلها الله لغير الواجد حتى لا يحرم الأجر في العطاء، هي أن يحزن لأنه لا يجد ما يبذله، كما جاء في قول الله تعالى:
ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم قلت لا أجد مآ أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون
[التوبة: 92]. فالحق سبحانه لا يحرم مؤمنا أن يكون له موقف في البذل، ولو كان بذلا سلبيا. ومن معاني اليد: القوة كما في قوله تعالى:
يد الله فوق أيديهم..
[الفتح: 10] فالمراد ﴿ أولي الأيدي.. ﴾ [ص: 45] أي: أصحاب القوة في طاعة الله. و ﴿ الأبصار ﴾ [ص: 45] أي: البصائر في العلم والدين والحكمة، أما الأبصار بمعنى حاسة البصر، فهي موجودة في الجميع المؤمن وغير المؤمن، إذن: المراد الأبصار التي ترى ثم تؤدي مهمة أخرى فوق البصر، وتزيده نورا على نور.
إذن: البصر وحده لا يكفي لأن آيات الله في الكون هي المعطيات، كما نقول في المسألة الرياضية، وهذه المعطيات تحتاج إلى بصيرة واعية لتصل بالمعطيات إلى المطلوب، وهو الإيمان بمن أعطى هذه المعطيات. فالأبصار حينما تنظر في الكون، وترى معطياته، وترى آيات الله فيه، ثم لا تتأثر عقليا ولا وجدانيا بها، ولا تلتفت إلى صانعها ومبدعها، فلا قيمة لهذه الأبصار. فالمعنى ﴿ الأبصار ﴾ [ص: 45] أي: أصحاب البصائر التي شغلت العقول والوجدان، بما تراه من الآيات، وعلمت أن هذا الكون لا يمكن أن ينسب إلا إلى قوة قادرة ظاهرة مسيطرة، لا يوجد لها شريك، وإلا لو كان له شريك لظهر أثره، ولدافع عن حقه في هذا الملك، وما دام لم يظهر هذا المعارض ولم يدع أحد أنه خلق، فالقضية تسلم لمن ادعاها. لذلك يقول سبحانه:
قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا
[الإسراء: 42]. وقدم الأيدي على الأبصار، لأن عمل الأيدي نتيجة نهائية للبصر، لأنك تبصر آيات الله في كونه، وتعرف أنه رب الجميع، وخالق الجميع، ورازق الجميع، فيرق قلبك للفقير وتعطيه، لعلك تصبح مثله في يوم ما فتجد من يعطيك، ولا تحقد على واجد وأنت معدم، لأن خير الواجد سينالك بأي حال. لذلك قال تعالى:
وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا
[النساء: 9]. ولنعتبر بقوله تعالى:
وكان أبوهما صالحا..
[الكهف: 82]. ثم يقول سبحانه: ﴿ إنآ أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار ﴾ [ص: 46]. أخلصناهم يعني: أعطيناهم شيئا خالصا لهم، والخالصة التي خصصناهم بها هي التي تلفتهم دائما إلى دار الجزاء وهي الآخرة، وبهذه الذكرى يظل الإنسان دائما مستحضرا ثواب الطاعة وعقاب المعصية، وإذا استحضر الإنسان هذه العاقبة استقام على الطاعة وابتعد عن المعصية. لذلك يقول صلى الله عليه وسلم في بيان هذه المسألة:
".. لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ".
لماذا نفى عنه الإيمان في هذه اللحظة؟ قالوا: لأنه غفل عن عاقبة فعله غفل عن الجزاء، فالغفلة هي التي تكسلنا عن الطاعة، وتوقعنا في المعصية، وتغرينا بها، ولو استحضر الإنسان العقوبة على المعصية ما وقع فيها. وسبق أن ضربنا مثلا فقلنا: لو أن شابا عنده شره جنسي. وقلنا له: سنوفر لك ما تريد، لكن بعد أن تقضي ليلتك سنأخذك إلى هذا الفرن المسجور، ونضعك فيه لمدة ساعة واحدة، مثل هذا الشاب ما ظنكم به؟ لا بد أنه سيفر من هذه المعصية، ويهرب منها، ويزهد فيها، لماذا؟ لأنه عاين العاقبة واستحضر الجزاء.