تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قالت يأيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم * إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم

[النمل: 29-30]. أولا: كيف عرفت أنه كتاب كريم؟ قالوا: لأنها وجدته في مخدعها دون أن يأتي به رسول، أو يدخل به أحد، ولم يمنعه حراس، ولم يطلب استئذانا عليها، لذلك علمت أنه من جهة أعلى منها، ولا بد أن حركة صاحب الكتاب في الحياة أقوى من حركتها، بدليل أن الكتاب وصلها بهذه الطريقة، لذلك استشارت القوم

ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون

[النمل: 32]. وانتهت القصة بقولها:

رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين

[النمل: 44]. إذن: دل قوله تعالى ﴿ هذا عطآؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ﴾ [ص: 39] على أن عطاء الله للأنبياء ليس للتباهي والتفاخر، إنما هو عطاء لخدم الدعوة إلى الله لذلك نرى الذين ملكهم الله بعض مفاتيح الغيب لم يستغلوا معرفة الغيب لصالحهم، وربما جرت المعجزة على أيديهم أو على ألسنتهم، وهم لا يدرون بها، وتظهر منهم الكرامات وهم أنفسهم لا يعرفونها ولا يشعرون بها. ذلك لأن سر الله وهبه لهم، لا ليتعالوا به على الناس، إنما ليزدادوا هم عبودية واستطراقا في العبودية لله تعالى، وليكونوا نماذج لهداية الخلق والأخذ بأيديهم إلى طريق الحق.

لذلك يروى أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - لما امتنع الغيث وأجدبت الأرض خرج يستسقي، وأخرج الضعفاء من الأطفال والشيوخ والنساء حتى أخرج البهائم وكأنه يقول يا رب إن كنت قد منعت عنا المطر لذنوبنا فاسقنا لأجل هؤلاء، لكن لم تمطر السماء وهم عمر بالانصراف، وبينما هو قافل إذ وجد عبدا واقفا بين الصخور يرفع يديه ويشخص ببصره إلى السماء، قال عمر: فو الله ما وضع يديه حتى أمطرت السماء كأفواه القرب. وعندها تعجب سيدنا عمر كيف أن السماء لم تستجب له واستجابت لهذا العبد، وتأمل عمر وجه العبد حتى عرفه، وذهب إلى النخاس، وقال له: اعرض علي عبيدك، فظن النخاس أنه يريد الشراء، فعرض عليه أفضل ما عنده من أصحاب العضلات المفتولة والقوام السليم، لكن لم يلتفت عمر إلى واحد من هؤلاء، فقال الرجل: والله ما عندي غير هذا العبد وهو كل على مولاه أينما توجه لا يأتي بخير. فلما جاء العبد عرفه عمر، وقال له: أهذا أنت؟ فنظر إليه العبد ورفع بصره إلى السماء وقال: اللهم كما فضحتني بين خلقك فخذني غير مفتون ومضى لحاله. هكذا حال من تظهر منه الولاية والكرامة، لا يرضى بها ولا يحب أن تنكشف أمام الناس، فهو لا يريدها ويكفيه ود الله له بها.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٠١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٠١٣