[النمل: 18-19]. إذن: فهم عنها سليمان، وأحس أن هذه نعمة اختصه الله بها وتستوجب الشكر، كذلك فهم عن الهدهد وخاطبه ودار بينهما حوار، وقصة الهدهد مع سليمان تدلنا على أن كل من يلي أمرا عليه أن يتابعه متابعة، يعرف بها الملتزم من غير الملتزم. ولولا أن سليمان تفقد الطير ما عرف بغياب الهدهد. وقوله:
مالي لا أرى الهدهد..
[النمل: 20] كأنه تصور أن الهدهد موجود، لكن المانع عنده هو أن يراه لذلك قال:
أم كان من الغآئبين
[النمل: 20] لأنه نظر فلم يره، ثم جاء الهدهد وقال:
أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين * إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم
[النمل: 22-23]. والذي أثر في نفسه أن تعبد هي وقومها الشمس من دون الله
وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون
[النمل: 24]. وهذه اللقطة من القصة تعلمنا أن الذي يلي أمرا لا يرد من ولي عليه في أمر يشير به، بل ينتظر حتى يسمع منه، ويحترم رأيه لا يصادره، ونتعلم أيضا أن الهدهد كان يعلم قضية التوحيد وقضية الإيمان بالله. ثم يعلمنا الهدهد أن كل إنسان عليه أن يحافظ على مقوم حياته، وأن يظل دائما على باله إن أراد أن يعيش عيشة كريمة، فمقوم الحياة هو الأولى قبل التخطيط ورسم الأهداف، نفهم هذا من قول الهدهد:
ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموت والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون
[النمل: 25]. لكن لماذا خص الخبأ، وهو المخبوء تحت الأرض؟ قالوا: لأن غالب غذاء الهدهد مما خبئ في الأرض، لذلك جعل الله له منقارا طويلا ينقر به الأرض، ويخرج به غذاءه. وقوله تعالى: ﴿ والشياطين كل بنآء وغواص ﴾ [ص: 37] أي: وسخرنا أيضا له الشياطين، منهم البناء وهو الذي يعمل ويجهد طاقته في يابسة الأرض ويعمرها. والغواص من يجهد طاقته في البحر ليخرج نفائسه ﴿ وآخرين.. ﴾ [ص: 38] أي: من الشياطين ﴿ مقرنين في الأصفاد ﴾ [ص: 38] أي: مقيدين ومكبلين بالسلاسل. والأصفاد جمع: صفد وهو السلسلة. فهؤلاء مقيدون ليسوا مطلقين كالبناء والغواص، لكن لماذا قيد الله هؤلاء، وأطلق هؤلاء؟ قالوا: لأن منهم الصالحين الطائعين، ومنهم العصاة الذين تأبوا على منهج الله، ومن الممكن أن يتأبى أيضا على رسول الله، وهؤلاء هم الذين يقيدون بالسلاسل، فكأن الصالحين يخدمونه بتوجيه الإيمان، وغير الصالحين يخدمونه بتوجيه القيود والسلاسل، يعني هؤلاء بالرغبة وهؤلاء بالرهبة. ثم يقول سبحانه: ﴿ هذا عطآؤنا.. ﴾ [ص: 39] فالعطاء مناسب لطلب سليمان حين طلب من الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، قال:
إنك أنت الوهاب
[ص: 35] فرد الله عليه ﴿ هذا عطآؤنا.. ﴾ [ص: 39] وما دمت قد وهبتك فسوف أجعلك تتصرف فيما وهبته لك لأنني أمنتك ﴿ فامنن أو أمسك بغير حساب ﴾ [ص: 39] يعني: أنت حر في أن تعطي أو أن تمسك وتمنع. والحق سبحانه لم يجعل لسليمان طلاقة التصرف، إلا لأنه ضمن منه عدالة التصرف، لأن سليمان حين طلب الملك الواسع تعهد لله تعالى بهذه العدالة، لذلك قالوا عنه - عليه السلام - إنه كان لا يأكل إلا خشكار الحب يعني الردة أو النخالة، ويترك الصافي للعبيد ولعامة الناس. فكأنه لم يطلب النعمة والملك الواسع ليتنعم هو به، أو يتباهى، إنما طلبه ليسخره في خدمة الدعوة إلى الله، ولأنه سيجابه قوة كانت أعظم القوى في هذا الوقت، ويكفي أن الله تعالى وصف هذه القوة بقوله:
ولها عرش عظيم
[النمل: 23] أي: بلقيس. وهنا وفي هذه المواجهة سيظهر أثر الملك وقيمته، فلما أغرته بلقيس بالمال قال:
أتمدونن بمال فمآ آتاني الله خير ممآ آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون
[النمل: 36]. وهنا تظهر الحكمة في أن سليمان حين طلب ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، طلبه حتى لا يتميز عليه أحد، ولا يحاول أن يغريه أو يرشيه، أو يستميله بالمال، كما حاولت بلقيس بملكها الواسع في اليمن السعيد في ذلك الوقت. والذي دل على حصافة بلقيس في هذا الموقف أنها استشارت أعيان القوم وأشرافهم وذوي الرأي عندها: