أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال
[الرعد: 17]. إذن: فالحق ثابت، وبهذا الثبات نفهم أن المناهج الإلهية ما جاءت لتجعل كلمة الله هي العليا، إنما جاءت لتجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى:
وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا..
[التوبة: 40] فلم يعطف الثانية على الأولى، ولم يقل: وكلمة الله هي العليا. لأن كلمة الله ليست جعلا، وإنما هي شيء ثابت، وهي حق أزلا. ثم يقول سبحانه مخاطبا سيدنا داود: ﴿ ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله.. ﴾ [ص: 26] الهوى: ميل النفس إلى شيء تهواه بغض النظر عن منهج يحكمه، والهوى يختلف باختلاف الناس، حتى الأصدقاء الحميمون المتلازمون في المأكل والمشرب والميول إذا ذهبوا لشراء شيء اشتروا أشياء مختلفة وألوانا متباينة. نعم، هناك جامعة تجمعهم هي الصداقة، لكن الأهواء مختلفة، فإذا كان هواي يخالف هواك، فلا بد أن نرجع إلى شيء لا نختلف فيه، فإن كان هذا الشيء الذي لا نختلف فيه من أعلى منا فلا غضاضة، الغضاضة تأتي حين تخضع لمن يساويك وتحكمه، وتنتهي إلى رأيه. لذلك الحق سبحانه يحكم هذه المسألة بقوله تعالى:
ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السموت والأرض..
[المؤمنون: 71]. ونحن نفهم أن اختلاف الأهواء يفسد الحياة على الأرض، لكن كيف يفسد السماء؟ ولماذا بدأ بفساد السماوات قبل الأرض؟ قالوا: نعم، لأن الفساد سيتعدى فساد الأرض، ويفسد أيضا السماء، بمعنى أنه سيفسد حكم الله المنزل من السماء، وما دام سيفسد حكم الله المنزل من السماء وهو الحق، وهذا الفساد سابق لفساد ما على الأرض. لذلك لم يقولوا:
أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا..
[الإسراء: 92] هذا هوى، ولو أجابهم الله فيما طلبوا لفسدت فعلا السماوات والأرض، فمن رحمة الله بالخلق أن عصم أهواءهم في المناهج النظرية التي تحكم الناس فيما يختلفون فيه، أما الشيء الذي لا يختلف فيه فتركه لكم تربعون فيه كما تشاءون. فإن قلت: فلماذا ترك لهم الأمور التي لا اختلاف فيها؟ نقول: لأنهم سينتهون فيها إلى حق واحد مجمع عليه، وهذا ما نراه مثلا في العلوم المادية التجريبية، فهي مجال مفتوح للجميع، الروس مثل الأمريكان، بل نراهم يجعلون على هذه العلوم حواجز حديدية حتى لا تصل إلى غيرهم، والبعض يتلصص ويسرق ما وصل إليه الآخرون. إذن: فالشيء الذي سنتفق فيه لا تتدخل فيه السماء، وهذه المسألة حكمها سيدنا رسول الله، وأعطانا مثالا في نفسه صلى الله عليه وسلم في مسألة تأبير النخل، فلما اقترح عليهم عدم تأبير النخل فسد في هذا العام ولم يثمر، فقال صلى الله عليه وسلم:
" أنتم أعلم بشئون دنياكم ".
لماذا؟ لأنكم ستصلون بالتجربة إلى شيء واحد، تتفقون عليه وتسرقونه من الآخرين، أما في الأهواء فهي مختلفة من واحد لآخر، ويحصل منها الصدام باردا كان أو حارا.
ثم يبين الحق سبحانه العلة من النهي عن اتباع الهوى، فيقول: ﴿ فيضلك عن سبيل الله.. ﴾ [ص: 26] يعني: لا تتبع الهوى، لأن اتباع الهوى يضلك عن سبيل الله، وقد أوضح لنا النبي صلى الله عليه وسلم هذه المسألة حين خط للصحابة خطا مستقيما، وخط حوله خطوطا متعددة، ثم تلا:
وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله..
[الأنعام: 153]. وتفرق السبل ينشأ من الاختلاف مهما كان يسيرا، فالمللي الواحد يفرق السبل، ولو رسمت خطين من مركز واحد ومال أحدهما عن الآخر مللي واحد لنتج عن ذلك تباعدهما بالتدريج كلما بعدا عن المركز، أرأيت مثلا المحولجي الذي يقوم بتحويل مسار القطار ماذا يفعل؟ إنه يحرك طرف القضيب الذي لا يتجاوز سمكه خمسة مللي متر، فينتج عن هذه الحركة تحويل مسار القطار من الإسكندرية إلى أسوان. وهكذا تتفرق السبل، وينشأ عن الاختلاف اليسير اختلاف عظيم، فالتباعد الهين البسيط عند المركز ينتج عنه تباعد واسع كلما طالت المسافة، وكما يكون التفرق في السبل المتعددة يكون التفرق كذلك في الطريق الواحد حين يكون واسعا يسمح بالتفرق. فمثلا الطريق الصحراوي إلى الإسكندرية طريق واسع من اتجاهين، ويمكنك أن تسير في أحدهما بطريقة ملتوية تميل مرة إلى اليمين ومرة إلى اليسار، فينشأ عن ذلك طول الطريق لذلك قالوا سواء السبيل يعني: أن تجعل الجانبين على سواء. ثم يوضح الحق سبحانه عاقبة الضلال والانحراف عن جادة الطريق، فيقول: ﴿ إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب ﴾ [ص: 26]. إذن: فالغفلة عن هذا اليوم ونسيان العاقبة هو سبب الوقوع في العذاب الشديد، فلو ذكر الإنسان الجزاء على السيئة ما فعلها، ولو ذكر ثواب الحسنة ما غفل عنها، ولا تكاسل عن أدائها.