وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول
[التغابن: 12] بتكرار الأمر بالطاعة. ومرة يقول:
وأطيعوا الله والرسول
[آل عمران: 132] بدون تكرار لفعل الأمر. ومرة يقول:
أطيعوا الله ورسوله
[الأنفال: 20]. فتكرار الأمر بالطاعة مرة لله ومرة لرسول الله حين يكون لله أمر في القضية الإجمالية مثل الصلاة مثلا، ولرسول الله أمر في تفصيل كيفية الصلاة. فإن توارد أمر رسول الله مع أمر الله جاء الأمر واحدا بدون تكرار، فإن كان الأمر خاصا برسول الله، ولم يرد فيه من الله شيء قال: أطيعوا الرسول. لذلك تلحظ العظمة في الأداء في قوله تعالى:
يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم
[النساء: 59] ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر، لماذا؟ ليلفتنا إلى أن طاعة أولي الأمر من باطن طاعة الله، وطاعة رسول الله يعني ليس لهم طاعة خاصة بهم لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وقوله تعالى ﴿ فاحكم بين الناس بالحق ﴾ [ص: 26] أي: حكما عاما للناس جميعا ليس خاصا بك، وهنا لا بد أن نذكر قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:
إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بمآ أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما
[النساء: 105]. ولهذه الآية قصة، فقد نزلت في كل من زيد بن السمين، وكان رجلا أمينا مع أنه يهودي، وفي قتادة بن النعمان وطعمة بن أبيرق، فقد كان لقتادة درع سرقه ابن أبيرق واتهم فيه اليهودي ابن السمين، وبعد استقصاء الأمر وجدوا الدرع عند ابن أبيرق المسلم وظهرت براءة اليهودي.
وهنا أسرع الناس إلى رسول الله حتى لا يحكم على المسلم، فتكون سبة في حق المسلمين أمام اليهود، فتردد رسول الله في المسألة، فأنزل الله عليه:
إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس
[النساء: 105] أي: الناس جميعا اليهود والنصارى والمسلمين وفعلا حكم رسول الله على المسلم وبرأ ساحة اليهودي ولم يبال أحد لا رسول الله ولا المسلمون بأن ينتصر اليهودي على المسلم لأن الحق أعز من هذا ومن ذاك. وحين رأى اليهود رسول الله يحكم لليهودي ويدين المسلم أقبلوا على الإسلام، وأسلم منهم كثيرون على رأسهم مخيريق الذي أعلن إسلامه، ووهب كل ماله لرسول الله، ثم خرج للغزو لما أعجله النفير قبل أن يصلي لله ركعة واحدة، وقتل مخيريق في هذه الغزو شهيدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه:
" نعم مخيريق، دخل الجنة ولم يصل لله ركعة ".
هذا معنى ﴿ فاحكم بين الناس بالحق.. ﴾ [ص: 26]. ومعنى ﴿ خليفة.. ﴾ [ص: 26] أن الله استخلفنا جميعا في الأرض، وجعل للمستخلفين خليفة يدبر أمرهم ويحكم بينهم فيما اختلفوا فيه بمنهج من استخلف الكل. أو خليفة للرسل الذين سبقوه ينبه إلى ما انطمس من مواكب الحق في الخلق، والحكومة بين الناس لا تكون إلا عن اختلاف بينهم لأنهم لو لم يختلفوا ما تحاكموا، وما لم يختلف فيه الناس فلا دخل للحاكم فيه إلا أن يكونوا قد اختلفوا مع الحق الأعلى، فعندها لا بد أن يتدخل. وكلمة ﴿ بالحق.. ﴾ [ص: 26] الحق يعني: الشيء الثابت الذي لا يتغير، وهذا لله تعالى، أما الإنسان فأموره تتغير ولا تستقر على حال، ونحن منها أغيار، لكن الحكم الذي يحكم حركة الإنسان ما دام من الله فهو ثابت لا يتغير، وما دام الله تعالى قد أتم النعمة وأكمل الدين ورضي الإسلام، فلا استدراك لأحد عليه في شيء من الأشياء لأن الاستدراك طعن في استقصاء الله لحكمة الحكم. والحق يقابله الباطل، وقد يعلو الباطل في بعض الأحيان، لكن يظل الحق هو الحق حتى يعلو في نهاية المطاف. والحق سبحانه يترك الباطل يعلو في بعض الأحيان لحكمة، هي أن يعض الباطل الناس، ويكويهم بناره لتظهر لهم حلاوة الحق، فإذا لذعهم مر الباطل فزعوا هم إلى طلب الحق. إذن: فإن علا الباطل فالحق أعلى، وقد ضرب لنا الحق سبحانه مثلا يوضح هذه المسألة، فقال سبحانه: