عبدونا ونحن أعبد لله
من القائمين بالأسحار
قد تجنوا جهلا كما قد
تجنوه على ابن مريم والحواري
تخذوا صمتنا علينا دليلا
فغدونا بهم وقود النار
للمغالي جزاؤه والمغالى فيه
تنجيه رحمة الغفار
وقوله سبحانه: ﴿ ولا ينقذون ﴾ [يس: 23] لأن الشافع حين ترد شفاعته يمكن أن ينقذ المشفوع فيه من يد المشفوع عنده، أما هؤلاء الآلهة فلا تقبل شفاعتها، ولا تستطيع أن تنقذ من طلب منها أن تشفع له. وقد بينا معنى الشفاعة، وأنها من الشفع يعني: إنسان له قضية، ولا يستطيع وحده بأسباب حل هذه القضية فيستعين بآخر ليساعده وينضم إليه ليقويه على حلها، إذن: بعد أن كان مفردا صار بالشافع شفعا.
يعني: اثنين. ولما أراد الحق سبحانه أن يجلى لنا هذه المسألة قال سبحانه في سورة البقرة:
واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفعة ولا يؤخذ منها عدل
[البقرة: 48]. وقال في موضع آخر:
واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة
[البقرة: 123]. تلحظ أن صدر الآيتين متفق لكن عجزهما مختلف، فلماذا؟ قالوا: لأن مرجع الضمير مختلف لأن عندنا هنا نفسا جازية، ونفسا مجزيا عنها، فإن أعدت الضمير على المجزى عنها، فالمجزى عنه لا يشفع بنفسه، إنما يعرض العدل أولا، ويطلب تقويم الضرر ليدفع فديته، فإن لم يقبل منه العدل بحث عمن يشفع له، إذن: فالمعنى: لا يقبل من ذاتها عدل، ولا تنفعها شفاعة الغير. فإن أعدت الضمير على النفس الجازية - أي: الشافعة - فإن الشافع يتقدم ليشفع أولا، فإن لم تقبل شفاعته فإنه يعرض العدل، ويتحمل الفدية. إذن: هذه الآلهة - على فرض أن لها شفاعة - فهي شفاعة مردودة غير مقبولة، وهم أيضا لا يستطيعون إنقاذ من يلجأ إليهم من قبضة الحق سبحانه، فهم لا يصلحون للشفاعة، ولا للإنقاذ، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى:
إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب
[الحج: 73]. وقوله: ﴿ إني إذا لفي ضلال مبين ﴾ [يس: 24] يعني: إن فعلت ذلك، وذهبت إلى عبادة هذه الآلهة أكون في ضلال ﴿ مبين ﴾ [يس: 24] بين واضح، وقوله: ﴿ لفي ضلال مبين ﴾ [يس: 24] كأن الضلال يحاصره ويحيط به من كل ناحية، بحيث لا يستطيع أن ينجو منه. ثم يقول هذا الرجل المؤمن: ﴿ إني آمنت بربكم فاسمعون ﴾ [يس: 25] هذا الخطاب يصح أن يوجه إلى الرسل الذين جاء الرجل ليساندهم في دعوتهم ويناصرهم، فنظر إليهم وقال ﴿ إني آمنت بربكم ﴾ [يس: 25] ومعنى ﴿ فاسمعون ﴾ [يس: 25] أي: اسمعوا مني ما أناصركم به، واشهدوا لي بأنني متطوع بهذه المساندة الإيمانية، لم يكلفنى أحد بها. ويصح أن يكون هذا الخطاب موجها إلى القوم المكذبين، فهو يقول لهم: ﴿ إني آمنت بربكم ﴾ [يس: 25] يعني: الله ربكم رغما عنكم، وإن كنتم كافرين به سبحانه فأنا احترمت ربوبيته لكم، وآمنت بها لأدخل في عظمة هذه الربوبية ﴿ فاسمعون ﴾ [يس: 25] أي: اسمعوا مني هذا البلاغ لأكون قد أديت ما وجب علي نحوكم، وأبلغتكم ولم أخدعكم أو أغشكم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ قيل ادخل الجنة قال يليت... ﴾.