تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء

[النساء: 48] فمن آمن بالله أمن العذاب وضمن المغفرة، فإن أراد الأجر فعليه بالعمل الصالح. ووصف الأجر نفسه بأنه كريم مع أن الكريم هو المعطي سبحانه، فالمعنى أن كرم المعطي تعدى إلى العطية، فصارت العطية كريمة، وكأنها تتلهف على صاحبها، كما يتلهف الرجل إلى العطاء لذلك قلنا: إن النعمة التي ينعم الله بها على خلقه تعشق صاحبها، وتسعى إليه وتكره من يحسده عليها، أو يحقد عليه بسببها. لذلك لا تذهب إلى هذا الحاسد الحاقد، ولا يناله منها خير أبدا، وكأن المنعم سبحانه يقول: ما دمت قد كرهت النعمة عند غيرك، فلن تنال منها شيئا لأنك تخطئ الله في عطائه، وتعترض على قضائه، فكيف تأتيك نعمته؟ لكن إن أحببت النعمة عند غيرك تأتك وتطرق هي بابك. وهذه المسألة لها شواهد كثيرة من حياتنا، أذكر منها أن رجلا من بلدنا ميت غمر جاءني يشكو قسوة عمه الغني عليه، وأنه رغم غناه بخيل عليه. ويستعمل الأغراب، ويتركه هو بدون عمل، وغير ذلك مما ذكره في شكواه، وكان معي في هذه الجلسة أهلي، فقالت له: يا ابني أنت دائما تشتم عمك وتخوض في حقه، قال: نعم لأنه لا يسأل عني.

فقلت له: أسألك سؤالا وأستحلفك ألا تكذب، فلما رأى أنني سأحلفه على المصحف تراجع، فقلت له: أتحب النعمة عند عمك؟ قال: لا، كيف أحبها، وأنا لا أنال منها شيئا، قلت: لو أحببت النعمة عند عمك، وتمنيت له الخير والمزيد لجاءتك النعمة تطرق بابك، قال: إذن أرجوك يا مولانا تكلم عمي وتوصيه علي. ويبدو أن الرجل حاول فعلا إصلاح نفسه، فأصلح الله ما بينه وبين عمه، فبعد صلاة الفجر جاءني يطرق الباب، فلما دخل قال وهو يبكي: يا مولانا أحكي لك حكاية أغرب من الخيال. قلت: ما هي؟ قال: قبل الفجر بساعة جاء من يطرق علي الباب بشدة، فقمت ففتحت الباب، فإذا به عمي يعاتبنى ويقول: كيف تتركني للأغراب ينهبون مالي وأنت داير على حل شعرك، خذ المفاتيح، ومن الصباح تفتح المحلات، وتباشر بنفسك مصالحي. فقلت له. نعم، لأنك أحببت النعمة عند عمك وغيرت ما في نفسك ناحيته. إذن: من أراد أن تكون نعم الناس كلها عنده. فليحب النعمة عند غيره. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٨٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٨٧٦