وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم
[التوبة: 102]. يقول النحاة: إن عسى تدل على الرجاء، وأغلب الرجاء التوقع واحتمال الحديث، على خلاف ليت التي وضعت للتمني، والتمني يكون لشيء بعيد أو مستحيل الحدوث، فهي لمجرد إظهار المحبوبية للشيء المتمنى فقط، ولا تدل على رجاء. ومن ذلك قول الشاعر:
ألا ليت الشباب يعود يوما
فأخبر بما فعل المشيب
وسبق أن قلنا: إن عسى وإن دلت على رجاء حدوث الفعل، إلا أنها درجات بعضها أوثق من بعض ومراتب، فمثلا إن كان الرجاء في بشر مثلك كأن تقول: عسى فلان أن يعطيني. فهذا رجاء على درجة معينة من احتمال التحقق، فإن قلت عسى أن أعطيك بصيغة المتكلم، فهي أقوى من الأولى وأوثق، فإن قلت: عسى الله أن يعطيك فهي أوثق لأنه رجاء في الله، فإن قوله سبحانه:
عسى الله أن يتوب عليهم
[التوبة: 102] فعسى هنا للرجاء المحقق، إذن: هذه من أرجى الآيات التي ينتظرها المقتصد المقصر في حق ربه. أما السابق بالخيرات، فهو الذي يعمل بالأمر ويتمه ويأتي به على أكمل أوجه، ومن ذلك قوله تعالى:
وفي ذلك فليتنافس المتنافسون
[المطففين: 26]. وتأمل مثلا قوله تعالى في سيدنا إبراهيم عليه السلام:
وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن
[البقرة: 124]. يعني: أتم ما أمر به أولا بالقدرة العادية، ثم بالحيلة والقدرة العقلية، فلما أمره الله مثلا بأن يرفع القواعد من البيت:
وإذ يرفع إبرهيم القواعد من البيت وإسمعيل
[البقرة: 127] ماذا طلب منه؟ وماذا فعل هو؟ طلب منه أن يرفع قواعد البيت، وكان يكفي في طاعة هذا الأمر أن يبني القواعد على قدر ما تطوله يده من الارتفاع، لكنه زاد على ذلك واستخدم الحيلة العقلية، فبعد أن وفى الأمر وأداه أراد أن يزيد شيئا من عنده، وأن يحسن العمل فوق ما طلب منه، فكان يأتي بالحجر الضخم ويضعه ك السقالة، ويقف عليه ليرفع البناء بقدر ارتفاع الحجر، وولده إسماعيل يناوله. كذلك لما ابتلي في شبابه بالإحراق صبر ووثق بالله، فلما جاءه جبريل عليه السلام يعرض عليه المساعدة، وهو الواسطة بينه وبين ربه أبى وقال: أما إليك فلا، يعني: أنت وصلتني بالله فلم يعد بيني وبين ربي واسطة. وهذه مسألة عجيبة، ودرجة من الإيمان عالية، وثقة بالله لا يتطرق إليها شك ولا ارتياب لذلك أنقذه الله وخرق له العادة، وأبطل من أجله قانون النار والإحراق، فقال سبحانه للنار
ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم
[الأنبياء: 69]. وتأمل هذا الاحتياط من رب الأمر
كوني بردا وسلما
[الأنبياء: 69] لذلك قال العلماء: لو أن الأمر كان للنار كوني بردا وفقط لتحولت عليه بردا قاتلا ربما أشد من النار. ثم إن هذا الابتلاء وقع لإبراهيم عليه السلام في نفسه وهو صغير والإنسان قبل أن يكون له ولد يكون كل حظه في نفسه، فإن رزق الولد انتقل حظه إلى ولده فيحبه أكثر من حبه لنفسه، ويتمنى أن يعوض في ولده ما لم يستطعه في نفسه، لذلك يقولون: إن الإنسان لا يحب أن يكون أحد أفضل منه إلا ولده، إذن: عصبية الإنسان في حبه لولده أكثر من عصبيته لنفسه. وسيدنا إبراهيم - عليه السلام - بعد أن نجح في الابتلاء في النفس ابتلاه الله في الولد، وتعلمون أن سيدنا إبراهيم رزقه الله بالولد على كبر وبعد يأس من الإنجاب، فجاء إسماعيل على شوق من إبراهيم حتى إذا شب الولد وبلغ مبلغ السعي مع أبيه يأتيه الأمر من السماء أن يذبحه، وجاء هذا الأمر في صورة رؤيا، والرؤيا تحتمل التأويل، لكن إبراهيم عليه السلام لم يؤولها، وأخذها على الحقيقة.
وهذا الابتلاء في الحقيقة ينطوي على ابتلاءات أربع: الأول: أن يذبح الولد الذي جاءه على كبر وبعد طول انتظار. الثاني: ألا يذبحه شخص آخر فيكون غريما لإبراهيم عليه السلام. الثالث: أن يذبحه هو بيده الرابع: أن يشرك ولده معه في الابتلاء وألا يأخذه على غرة. ذلك أن إبراهيم عليه السلام لما هم بتنفيذ ما أمر به لم يرد أن يأخذ ولده غرة لعدة أمور: أولا: حتى لا يتهم بالقسوة والغلظة. ثانيا: لكي لا تتغير خواطر الولد نحو والده فيتهمه بما لا يليق. ثالثا: ليشركه ولده معه في الابتلاء وفي الثواب، وفي الرضا بقضاء الله لذلك قال له: