ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا..
[محمد: 16]. في حين سمعه آخر فقال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه. وسمعه عمر فلان قلبه ورق فأسلم، فالقرآن واحد، لكن فرق بين من يسمعه وهو له كاره، فيغلق عليه وبين من يستقبله بقلب واع مفتوح لإشراقات القرآن وتجلياته. ألا ترى أن الحديد يستجيب لك حين تطرقه وهو ساخن، فيصير كالعجينة في يدك، أما إن طرقته وهو بارد فإنه لا يتفاعل معك، كذلك قلنا مثلا: إنك في اليوم البارد تنفخ في يدك لتشعر بالدفء، وتنفخ أيضا في كوب الشاي مثلا لتبرده، فكيف تجتمع هذه المتضادات لفعل واحد؟ نقول: لأن الفاعل وإن كان واحدا إلا أن المستقبل للفعل مختلف. كذلك إنذاره صلى الله عليه وسلم إنذار واحد، لكن استقبله قوم بخضوع ورغبة في الهداية فآمنوا، واستقبله قوم بعناد وإصرار فلم يستفيدوا منه ولم ينتفعوا بثمرته. وقوله ﴿ الذين يخشون ربهم بالغيب ﴾ [فاطر: 18] دلت على أن الإيمان اكتمل في نفوس هؤلاء اكتمالا يستوي فيه مشهد الحكم بغيبه. ومن ذلك قول الإمام على رضي الله عنه: لو انكشف عني الحجاب ما ازددت يقينا.
" ولما سأل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر: " كيف أصبحت يا أبا ذر؟ " قال: أصبحت مؤمنا حقا، قال: " فإن لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ " قال: عزفت نفسي عن الدنيا، حتى استوى عندي ذهبها ومدرها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة ينعمون، وإلى أهل النار في النار يعذبون، فقال له رسول الله: " عرفت فالزم " ".
ثم يذكر الحق سبحانه صفة أخرى للذين استجابوا لإنذار رسول الله وانتفعوا به: ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ [فاطر: 18] فهم مع خشيتهم لله خشية أوصلتهم إلى إيمان يستوي فيه الغيب بالمشاهدة، هم أيضا يقيمون الصلاة أي: يؤدونها على أكمل وجه، والصلاة كما ذكرنا هي العبادة الوحيدة التي لا تسقط عن المكلف بحال، فقد يطرأ عليك ما يسقط الزكاة أو ما يسقط الصيام أو الحج فلم تبق إلا شهادة ألا إله إلا الله محمد رسول الله. وهذه يكفي أن تقولها ولو مرة واحدة. أما الصلاة فهي العبادة الوحيدة الملازمة للمسلم لأن الصلاة في حقيقتها استدامة الولاء لله تعالى، فربك يدعوك إلى لقائه خمس مرات في اليوم والليلة يناديك لتعرض الصنعة على صانعها، وما بالك بصنعة تعرض على صانعها خمس مرات في اليوم والليلة؟ أيكون بها عطب بعد ذلك؟ أما إذا أردت مقابلة عظيم من عظماء الدنيا فدونه أبواب وحراس ومواعيد وإجراءات صارمة، ولا تملك أنت من عناصر هذا اللقاء شيئا، بل يحدد لك الموعد والموضوع وحتى ما تقوله، إنك تستأذن في أوله ولا تملك الانصراف في آخره. أما لقاؤك بربك فخلاف ذلك، ففي يدك أنت كل عناصر اللقاء، فأنت تبدؤه متى تحب، وتنهيه كما تحب، وتناجي ربك فيه بما تريد، تبثه شكواك، وتعرض عليه حاجتك، فيسمع ويجيب. وبعد أن ذكر الحق سبحانه هذه العبارة الدائمة يقرر هذه الحقيقة ﴿ ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه ﴾ [فاطر: 18] يعني: عبادتك عائدة إليك أنت لا ينتفع الله تعالى منها بشيء، فهو سبحانه لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين. فهو سبحانه غني عنا، ونحن بعبادتنا لله لم نزده سبحانه صفة كمال لم تكن له لأنه بصفة الكمال أوجدنا وبصفة الكمال كلفنا. لذلك جاء في الحديث القدسي:
" يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، وشاهدكم وغائبكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم وشاهدكم وغائبكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، ذلك أني جواد ماجد واجد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له كن فيكون ".