. إلخ، هذا جريء القلب، وهذا رعديد جبان، هذا فصيح اللسان، وهذا عيى لا يكاد ينطق لذلك يقول سبحانه
ومن آياته خلق السموت والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم..
[الروم: 22]. من طلاقة القدرة أنه سبحانه
يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور * أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما
[الشورى: 49-50]. من طلاقة القدرة أن يؤلف الله سبحانه بين الأجناس المتباعدة تآلف مصلحة وانتفاع، ففي السودان مثلا بيئة تعيش فيها التماسيح، ورغم ما عرفناه من شراستها إلا أن الله ألف بينها وبين الطيور، فجمعتهم مصالح مشتركة: التمساح يخرج إلى البر ثم يفتح فاه، فيأتي الطائر ويدخل فم التمساح، وينظف له أسنانه ويتغذى على بقايا طعام التمساح ويخلصه من الفضلات، فإذا أحس الطائر بقدوم الصياد صوت ليحذر التمساح، فتسرع إلى الماء، سبحان الله الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى. إنك تتعجب من طلاقة القدرة حين ترى عنق الزرافة أو الجمل، وعنق الدب مثلا، فكل له ما يناسبه. تذكرون أنه عندما تكلم العلماء عن الحواس، قالوا: الحواس الخمس. واحتاطوا للأمر وللزيادة فقالوا: الخمس المعروفة، وبالفعل عرفنا بعدها حواس أخرى، كحاسة البين التي نعرف بها مثلا سمك القماش، وعرفنا حاسة العضل التي نعرف بها ثقل الأشياء. كما أن أعضاء الإنسان وحواسه تؤدي مهمتها مع اختلافها من شخص لآخر، فنحن جميعا نرى بالعين، ونسمع بالأذن، ونشم بالأنف وهكذا، لكن ألم تسمع فلان هذا يسمع دبة النملة، وروى لنا التاريخ عن شخصيات كانت ترى لمسافات بعيدة على غير المعتاد، هذا كله زيادة في الخلق، يختص الله بها من يشاء. لذلك يقول الشاعر:
سبحان من قسم الحظوظ
فلا عتاب ولا ملامه
أعمى وأعشى ثم ذو
بصر وزرقاء اليمامه
وزرقاء اليمامة يضرب بها المثل في حدة البصر، فيقولون: أبصر من زرقاء اليمامة. ويلخص الشاعر قصة فتاة منحها الله هذه الزيادة في البصر، فقال:
واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت
إلى حمام شراع وارد الثمد
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا
إلى حمامتنا أو نصفه فقد
وكان عندها حمامة واحدة، فتمنت أن ينضم هذا السرب ونصفه إلى حمامتها، وبذلك سيكون عندها مائة:
فعدوه فألفوه كما حكمت
ستا وستين لم تنقص ولم تزد
فتأمل هذه الفتاة تنظر إلى سرب الحمام وتعده، وتضيف إليه نصفه ثم تضيف حمامتها، فيكون لديها مائة حمامة، هذه قوة في البصر، وقوة في الملاحظة. كذلك حاسة الشم فيها عجائب مما يزيده الله في هذه الحاسة عند من شاء أن يزيده، والمثال الواضح لحاسة الشم وتمييز الروائح عند كلب البوليس مثلا، وحاسة الشم قوية أيضا عند الذين يبيعون الروائح والعطور، فأنت تقول رائحة طيبة، لكن قليل من يميز بين هذه الروائح، أما بائع الروائح فرغم امتلاء أنفه بهذه الروائح الطيبة إلا أنه لا يستطيع أن يميزها فيقول لك: هذه رائحة ورد، وهذه رائحة فل، وهذه كذا، وهذه كذا، فإن خلط له عدة أنواع يقول لك: هذا مخلوط.
أما سيدنا يعقوب عليه السلام فقد تميز في هذه الحاسة بصورة عجيبة، وتعلمون أنه ابتلي بفقد ولده يوسف - عليه السلام - حين رماه إخوته في البئر، وانتهى الأمر به إلى أن صار على خزائن مصر كلها، وجاءه إخوته يطلبون الميرة إلى أن أعطاهم قميصه ليجعلوه على وجه أبيه فيرتد له بصره، العجيب هنا أنه لما فصلت العير يعني: خرجت من مصر وعن حيزها السكاني لأن المنطقة السكنية تكثر الروائح فيها وتختلط، فلما خرجوا بقميص يوسف خارج المدينة، قال يعقوب عليه السلام - وهو آنذاك - بأرض فلسطين:
إني لأجد ريح يوسف
[يوسف: 94]، لأن في قميص يوسف شيئا من رائحته. ومع تقدم العلم عرفنا أن الرائحة هي أقوى الآثار الدالة على الإنسان، وأن للرائحة بصمة كبصمة اليد أو بصمة الصوت لذلك حتى في لغتنا العامية نقول مش ح اخللي لفلان ريحه، وكأن الرائحة هي آخر أثر يمكن أن يتبقى للإنسان في المكان. كذلك يزيد الله في الخلق ما يشاء في حاسة الذوق، وبعض الناس حرفته وعمله أنه ذواقة يذوق الطعام، ويزيد الله في الخلق ما يشاء في حاسة اللمس، وكلنا رأى الصراف في البنك بمجرد أن تلمس أصابعه العملة يعرف جيدها من زائفها. كل هذه المعاني نفهمها من قوله تعالى: ﴿ يزيد في الخلق ما يشآء ﴾ [فاطر: 1] ثم تختم الآية بما يطمئن القلوب إلى هذه الطلاقة ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ [فاطر: 1] هذه هي العلة، يعني: لا تتعجب، فهي قدرة الله التي لا يعجزها شيء، وشيء هذه تعد جنس الأجناس لأنها تشمل من الذرة إلى المجرة، وهو سبحانه يقول للشيء كن فيكون، فكأنه موجود في علم الغيب ينتظر الأمر بأن يظهر. وبعضهم قال: يزيد في الحلق بالحاء، والمراد: جمال وعذوبة الصوت لأن الصوت وسيلة لنقل خواطر المتكلم إلى السامع، وهذه يكفي لها أي صوت، فإن كان الصوت جميلا عذبا، فهذه زيادة وفضل من الله. ومن أغرب ما رواه لنا تاريخ العرب، ويعد دليلا على الزيادة في الخلق، والمواهب التي يختص الله بها من يشاء ما روى عن نزار ابن معد بن عدنان، وقد رزقه الله أربعة من الأولاد هم: مضر. ومن قبيلته جاء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وربيعة، وإياد، وأنمار، فلما أحس نزار بدنو أجله جمع أولاده الأربعة وقال لهم: أريد أن أدلكم على تركتكم مني قبل أن أموت: القبة الحمراء لمضر، والفرس الأسود والخباء الأسود لربيعة، والشمطاء لإياد، ومجلس القوم ونديه لأنمار.