أستكبرت أم كنت من العالين
[ص: 75]. ومن الملائكة قسم له علاقة بالإنسان، وهؤلاء هم الذين أمروا بالسجود لآدم، وكأن الله تعالى يقول لهم: هذا المخلوق هو الذي ستكونون في خدمته، ومنهم: المعقبات، كما قال سبحانه:
له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله
[الرعد: 11] يعني: يحفظونه حفظا صادرا من أمر الله، وإلا فالملائكة لا تمنع عن الإنسان أمرا قضاه الله عليه. إذن: حفظهم لنا حفظ من باطن حفظ الله لنا لذلك يقولون مثلا العين عليها حارس، ونرى مثلا من يسقط من الطابق الثالث أو الرابع، ولا يصيبه مكروه لأن الله سبب له أسباب النجاة، وحفظته الحفظة. ومن هؤلاء المدبرات أمرا، الذين قال الله عنهم:
فالمدبرات أمرا
[النازعات: 5] وهم الذين يدبرون أمور الخلق بأمر الله، ومنهم الكتبة الذين يكتبون الأعمال:
كراما كاتبين
[الانفطار: 11]. هؤلاء الملائكة جعلهم الله ﴿ رسلا ﴾ [فاطر: 1] إما إلى الرسل من البشر يحملون إليهم منهج الله، وإما رسلا منه سبحانه لمهامهم التي تتعلق بهذا الكائن الإنساني. ثم وصفهم فقال: ﴿ أولي ﴾ [فاطر: 1] أصحاب ﴿ أجنحة مثنى وثلاث ورباع ﴾ [فاطر: 1] وهذا الوصف دل على صلة الملائكة بالجو والسماء، ومهمة الصعود والهبوط، وهذه الأجنحة ليس لها نظام ثابت، بل منهم من له مثنى، ومن له ثلاث، ومن له رباع، بل ويزيد الله في ذلك ما يشاء ﴿ يزيد في الخلق ما يشآء ﴾ [فاطر: 1]. وكأن الخالق سبحانه يقول لنا: إن كنتم لم تروا إلا جناحين للطائر، فلا تتعجبوا ولا تنكروا أن يكون للملك أكثر من ذلك لأنه خلق الله الذي يزيد في الخلق ما يشاء، والذي له سبحانه طلاقة القدرة، فخلق الله ليس عملية ميكانيكية أو قوالب تصب على شكل واحد، وخلق الله ليس مخبزا آليا يخرج لك الأرغفة متساوية.
وتتجلى طلاقة القدرة في الخلق منذ خلق الإنسان الأول آدم عليه السلام، فإن كانت مسألة التناسل تقوم على وجود ذكر وأنثى، ومن هذه جاءت جمهرة الناس، فطلاقة القدرة تخرق هذه القاعدة في كل مراحل القسمة العقلية لها، فالله خلق آدم عليه السلام من لا أب ولا أم، وخلق حواء من أب بلا أم، وخلق عيسى عليه السلام من أم بلا أب. فما دام أن الذي يزيد في الخلق هو الله، فلا تتعجب ولا تكذب حين تسمع الحديث النبوي، قال صلى الله عليه وسلم:
" رأيت جبريل وله ستمائة جناح "
صدق لأنك لست مسئولا عن الكيفية، إنما عليك أن توثق الكلام: صدر من الله أو لم يصدر، صح عن رسول الله أو لم يصح، كن كالصديق لما حدثوه عن الإسراء والمعراج وقالوا: إن صاحبك يقول كذا وكذا، فقال الصديق: " إن كان قال فقد صدق ". لذلك، فالذين يبحثون في علل الأحكام عليهم أن يدعوا البحث فيها، ويكفي أن يوثقوا مصدرها، فإن كانت من الله فعلى أن أفعل لمجرد أن الله أمرني بذلك، فعلة الحكم أن الله أمر به، فهمت حكمته أو لم أفهم. ونرى بعض العلماء يحرصون على استنباط الحكم من كل عبادة من العبادات، فيقولون مثلا، شرع الله الصوم ليدرك الغني ألم الجوع، فيعطف على الفقير، وهذا يعني أن الفقير لا يصوم، فالأقرب أن تقول: أصوم لأن الله أمرني بالصوم. فأنت مثلا لا تسأل الطبيب لماذا كتب لك دواء كذا وكذا، بل تترك له هذه المهمة، وما عليك إلا أن تتناول الدواء، ولا يسأل الطبيب، ولا يناقشه في هذه المسألة إلا طبيب مثله، لكن هل هناك مساو لله فيسأله: لماذا فرض علينا كذا أو كذا؟ فقوله سبحانه ﴿ يزيد في الخلق ما يشآء ﴾ [فاطر: 1] دليل على طلاقة القدرة التي لا يعجزها شيء، ومن طلاقة القدرة أن ترى الطويل والقصير، ولا تكاد تفرق بين قامات الناس وهم جلوس لأن منطقة الصدر والبطن متقاربة الطول، إنما تفرق بينهم حال الوقوف لأن معظم الطول في السيقان والأوراك لذلك تنظر إلى رجلين وهما جالسان ترى طولهما واحدا، فإن قاما ظهر الفارق، وهذا يسمونه الحبتر. من طلاقة القدرة اختلاف الخلق في الشكل، وفي اللون، وفي الطباع، وفي الذكاء لذلك من وقت لآخر نرى طفلا برأسين، أو بيد فيها ستة أصابع، أو دابة بخمسة أرجل، من طلاقة القدرة أن ترى هذا وسيما معتدل الصورة، متناسق الأعضاء، كهؤلاء الذين تنطبق عليهم شروط القبول مثلا في الكليات العسكرية أو البوليس، وترى آخر جبهته نصف وجهه، أو أنفه كذا وكذا.