تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقرض الله..

[الحديد: 11] مع أنه سبحانه الواهب لأنه أراد أن يحترم ملكيتك، وأن يحترم انتفاعك، وسعيك.. كما لو أراد والد أن يجري لأحد أبنائه عملية جراحية مثلا وهو فقير وإخوته أغنياء، فيقول لأولاده: اقرضوني من أموالكم لأجري الجراحة لأخيكم، وسوف أرد عليكم هذا القرض.

" وفي الحديث الشريف أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على ابنته فاطمة - رضوان الله عليها - فوجدها تجلو درهما فسألها: " ماذا تصنعين به "؟ قالت: أجلوه، قال: " لم "؟ قالت: لأني نويت أن أتصدق به، وأعلم أنه يقع في يد الله قبل أن يقع في يد الفقير ".

إذن: فالمال مال الله، وأنت مناول عن الله تعالى. وقد وقف بعض المستشرقين عند هذه المسألة لأنهم يقرأون الآيات والأحاديث مجرد قراءة سطحية غير واعية، فيتوهمون أنها متضاربة. فقالوا هنا: الله تعالى يقول:

من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له..

[الحديد: 11]. وقال في موضع آخر:

من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها..

[الأنعام: 160] وفي الحديث الشريف:

" مكتوب على باب الجنة: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر ".

فظاهر الحديث يختلف مع الآية الكريمة - هذا في نظرهم - لأنهم لا يملكون الملكة العربية في استقبال البيان القرآني.

وبتأمل الآيات والأحاديث نجد اتفاقهما على أن الحسنة أو الصدقة بعشر أمثالها، فالخلاف - ظاهرا - في قوله تعالى:

فيضاعفه له..

[الحديد: 11] وقول النبي صلى الله عليه وسلم:

" والقرض بثمانية عشر ".

وليس بينهما اختلاف، فساعة تصدق الإنسان بدرهم مثلا أعطاه الله عشرة منها الدرهم الذي تصدق به، فكأنه أعطاه تسعة، فحين تضاعف التسعة، تصبح ثمانية عشرة. ثم يقول سبحانه: ﴿ ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين ﴾ [القصص: 77] والفساد يأتي من الخروج عن منهج الله، فإن غيرت فيه فقد أفسدت، فالفساد كما يكون في المادة يكون في المنهج، وفي المعنويات، يقول سبحانه:

ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها..

[الأعراف: 56]. فالحق سبحانه خلق كل شيء على هيئة الصلاح لإسعاد خلقه، فلا تعمد إليه أنت فتفسده، ومن هذا الصلاح المنهج، بل المنهج وهو قوام الحياة المعنوية - أولى من قوام الحياة المادية. إذن: فلتكن مؤدبا مع الكون من حولك، فإذا لم تستطع أن تزيده حسنا فلا أقل من أن تدعه كما هو دون أن تفسده، وضربنا لذلك مثلا ببئر الماء قد تعمد إليه فتطمسه، وقد تبني حوله سورا يحميه. هذه مسائل خمس توجه بها قوم قارون لنصحه بها، منها الأمر، ومنها النهي، ولا بد أنهم وجدوا منه ما يناقضها، لا بد أنهم وجدوه بطرا أشرا مغرورا بماله، فقالوا له:

لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين

[القصص: 76]. ووجدوه قد نسي نصيبه من الدنيا فلم يتزود منها للآخرة، فقالوا له ﴿ ولا تنس نصيبك من الدنيا.. ﴾ [القصص: 77]، ووجدوه يضن على نفسه فلا ينفق في الخير، فقالوا له: ﴿ وأحسن كمآ أحسن الله إليك.. ﴾ [القصص: 77] يعني: عد نعمتك إلى الغير، كما تعدت نعمة الله إليك.. وهكذا ما أمروه أمرا، ولا نهوه نهيا إلا وهو مخالف له، وإلا لما أمروه ولما نهوه. ثم يقول قارون ردا على هذه المسائل الخمس التي توجه بها قومه إليه: ﴿ قال إنمآ أوتيته على علم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٣٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٣٠٠