تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ففي قوله تعالى:

فكفرت بأنعم الله..

[النحل: 112]. دليل على وجود النعم، ومع ذلك كفروا بها أي: ستروها، إما بعدم البحث في أسبابها، والتكاسل عن استخراجها، أو ستروها عن المستحق لها وضنوا بها على العاجز الذي لا يستطيع الكسب لذلك يسلبهم الله هذه النعم ويحرمهم منها رغم قدرتهم. وهناك أشياء لو ظلت موجودة لأعطت رتابة، ربما فهموا منها أن هذه الأشياء إنما تأتيهم تلقائيا بطبيعة الأشياء، وحين يسلب الله منهم نعمه ويقطع هذه الرتابة، فإنما ليفهموا أن الرتابة في التكليفات تضعف الحكمة من التكليف، كيف؟ نقول: الحق - تبارك وتعالى - حرم علينا أشياء وأحل لنا أشياء، فمثلا حرم الله علينا الخمر حتى أصبحنا لا نشربها ولا حتى تخطر ببالنا، فأصبحت عادة رتيبة عندنا، والله تعالى يريد أن يديم على الإنسان تكليف العبادة، حتى لا يعتادها فيفعلها بالعادة، فيكسر هذه العادة مثلا في صوم رمضان. ويحرم عليك ما كان حلالا لك طوال العام، وقد اعتدت عليه، فيأتي رمضان وتكليف الصيام ليحرم عليك الطعام الذي كنت تأكله بالأمس، ذلك لتظل حرارة العبادة موجودة تشوق العبد إليها، وتعوده الانضباط في أداء التكاليف. ثم يذكر العقاب على الكفر بنعمة الله

فأذاقها الله لباس الجوع والخوف..

[النحل: 112] والجوع له مظهران: أن تطلبه البطن في أول الأمر، فإن زاد الجوع ضعفت الجوارح، وتألمت الأعضاء كلها، وذاقت ألم الجوع، والله تعالى يريد أن يرينا إحاطة هذا الألم، فشبهه باللباس الذي يحيط بالجسم كله، ويلفه من كل نواحيه. وهذه سنة الله في القرى الظالمة، كما قال سبحانه: ﴿ وما كان ربك مهلك القرى... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٢٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٢٨٤