تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات..

[إبراهيم: 37]. وكأنه - عليه السلام - يريد أن يطمئن على إقامة أهله في هذا المكان، وأن يكون البيت مصلى لله، لا تنقطع فيه الصلاة، وهذا هو الفرق بين بيت الله باختيار الله وبيت الله باختيار عباد الله. فالبيت الذي نبنيه لله تعالى قد يغلق حتى في أوقات الفروض، أما بيت الله الذي اتخذه لنفسه فلا يخلو من الطواف والصلاة في أي وقت من ليل أو نهار، ولا ينقطع منه الطواف إلا لصلاة مكتوبة، فإذا قضيت الصلاة رأيتهم يهرعون إلى الطواف. وقد رأيت الحرم في إحدى السنوات وقد دهمه سيل جارف حتى ملأ ساحته، ودخل الماء الكعبة وغطى الحجر الأسود، فكان الناس يطوفون سباحة، ورأينا أناسا يغطسون عند الحجر ليقبلوه، وكأن الحق - سبحانه وتعالى - يريد أن يظل الطواف حول بيته لا ينقطع على أي حال. كذلك نفهم من قوله تعالى:

تهوي إليهم..

[إبراهيم: 37]. من الفعل هوى يهوي، يعني: سقط لأن الذي يسقط لا إرادة له في عدم السقوط، كذلك من يأتي بيت الله أو يجلب إليه الخيرات يجد دافعا يدفعه كأنه لا إرادة له. كما نفهم منها معنى آخر، فكل تكاليف الحق سبحانه ربما تكاسل الناس في أدائها، فمنا من لا يصلي أو لا يزكي.

إلا الحج حيث قال الله فيه:

وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا..

[الحج: 27] فمجرد أن تؤذن يأتوك. لذلك نجد من غير القادرين على نفقات الحج من يجوع ويمسك على أهله ليوفر تكاليف الحج، فهو - إذن - الفريضة الوحيدة التي يتهافت عليها من لم تطلب منه. ونلحظ أن إبراهيم - عليه السلام - دعا بالأمن للحرم مرتين: مرة في قوله:

رب اجعل هذا بلدا آمنا..

[البقرة: 126] يعني: اجعل هذا المكان بلدا آمنا، كأي بلد آمن لا تقام إلا في مكان يؤمنون فيه كل مقومات الحياة، فأي بلد لا تبنى حتى من الكافر إلا إذا كان آمنا فيها، فالطلب الأول أن يتحول هذا المكان الخالي إلى بلد آمن، كما يأمن كل بلد حين ينشأ، وهذا أمن عام. ثم يدعو مرة أخرى

رب اجعل هذا البلد آمنا..

[إبراهيم: 35] بعد أن أصبحت مكة بلدا آمنا يطلب لها مزيدا من الأمن، وهذا أمن خاص، حيث جعلها بلدا حراما، يأمن فيها الإنسان والحيوان والنبات، بل والجماد. وقد وقف البعض عند قوله تعالى:

ومن دخله كان آمنا..

[آل عمران: 97]. وقالوا: أين هذا الأمن، وقد حدث في الحرم الاعتداء والقتل وترويع الآمنين، كما حدث في أيام القرامطة لما دخلوا الحرم، وقتلوا الناس فيه، وأخذوا الحجر، وفي العصر الحديث نعرف حكاية جهيمان، وما حدث فيها من قتل في الحرم. وهذه الآية:

ومن دخله كان آمنا..

[آل عمران: 97] جملة خبرية غرضها الأمر والحث، كأنه تعالى قال: أمنوا من دخل الحرم. وهذه ليست قضية كونية، إنما قضية شرعية، وفرق بين القضيتين: الكونية لا بد أن تحدث، أما الشرعية فأمر ينفذه البعض، ويخرج عليه البعض، فمن أطاع الأمر الشرعي لله وأراد أن يجعل أمر الله صادقا يؤمن أهل الحرم، ومن أراد أن يكذب ربه يهيج الناس ويروعهم فيه. ومن الآيات التي كثيرا ما يسأل عنها في هذا الصدد قوله تعالى:

الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات..

[النور: 26] يقولون: كثيرا ما يتزوج خبيث من طيبة، أو طيبة من خبيث، فالواقع لا يتفق مع الآية. نقول أيضا هنا: هذه قضية شرعية تحمل أمرا قد يطاع وقد يعصى، وليست قضية كونية لا بد أن تأتي كما أخبر الله تعالى بها، ولا يتخلف مدلولها. فالمعنى في الآية: إن زوجتم فزوجوا الخبيث للخبيثة، والطيب للطيبة ليتحقق التكافؤ بين الزوجين ويحدث بينهما الوفاق، حتى إن عير الخبيث زوجته كانت مثله تستطيع أن ترد عليه، لا بد من وجود التكافؤ حتى في القباحة، وإلا فكيف تفعل الطيبة مع الخبيث، أو الخبيث مع الطيبة؟ إذن: فالآية وأمثالها قضية شرعية في صيغة الخبر، وإن كانت تعني الأمر، كما تقول عن الميت: رحمه الله بصيغة الماضي، وأنت لا تدري رحمه الله، أو لم يرحمه، إذن: لا بد أن المعنى دعاء: فليرحمه الله، قلتها أنت بصيغة الماضي، رجاء أن تكون له الرحمة.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٢٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٢٨٢