ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله..
[الروم: 4-5]. ولما تشوق الصحابة لأداء العمرة ونزل على رسول الله قوله تعالى:
لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا
[الفتح: 27].
" فخرج بهم رسول الله حتى بلغوا الحديبية على بعد 22 كيلو من مكة تعرضت لهم قريش، ومنعتهم من العمرة، واشترطوا عليهم العودة في العام المقبل، وقد كتبوا وثيقة تعاهدوا فيها، فلما أملى رسول الله على الكاتب: هذا ما تعاهد عليه محمد رسول الله، قام عمرو بن سهيل فقال: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما حاربناك ولا رددناك، إنما اكتب: هذا ما تعاهد عليه محمد بن عبد الله. وعندها ثار صحابة رسول الله وغضبوا حتى راجعوا رسول الله فقال عمر: يا رسول الله ألسنا على الحق؟ قال: بلى، قال: أليسوا على الباطل؟ قال: بلى قال: فلم نعطى الدنية في ديننا، فقال الصديق: الزم غرزه يا عمر، يعني قف عند حدك - إنه رسول الله. ولما أصر علي بن أبي طالب أن يكتب محمد رسول الله نظر إليه رسول الله، وقال: " يا علي ستسام مثلها فتقبل " ومرت الأيام والسنون، وقبض رسول الله، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فلما تولى علي الخلافة وحدثت الفتنة بينه وبين معاوية، وقامت بينهما حرب الجمل ثم صفين حتى اضطر علي لأن يكتب مع معاوية وثيقة لإنهاء القتال أملى علي: هذا ما تعاهد عليه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، فقالوا له: لو أنك أمير المؤمنين ما حاربناك، فاسترجع علي قول رسول الله: " ستسام مثلها فتقبل ".
إذن: خرق الله لرسوله حجاب الزمن الماضي، والزمن المستقبل، فماذا عن الزمن الحاضر؟ وكيف يكون خرق الحجاب فيه؟ هذا في مثل قوله تعالى:
ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول..
[المجادلة: 8] فأطلعه الله على ما في نفوس القوم. وفي غزوة مؤتة، وهي الغزوة الوحيدة التي لم يحضرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك سميت غزوة - لأن الغزوة لا تقال إلا للمعركة التي حضرها رسول الله، أما في مؤتة فقد حضرها وشاهدها وهو في المدينة، حيث كشف الله له حجاب الحاضر، فصار يخبر أصحابه في المدينة بما يجري في مؤتة وكأنها رأي العين.
ويومها تولى القيادة جماعة من كبار الصحابة: زيد بن حارثة، وابن رواحة، وجعفر بن أبي طالب، وخالد بن الوليد، فكان صلى الله عليه وسلم يقول: قتل فلان وسقطت الراية، فأخذها فلان وقتل وحملها فلان.. إلخ فلما عادوا من الغزوة أخبروا بنفس ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ولولا أن تصيبهم... ﴾.