تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ربنا وابعث فيهم رسولا منهم

[البقرة: 129] وقد أجاب الله دعاءه بما سبق في علمه وقدره.

وأما مسألة تفضيل مكة على المدينة كما هو قول الجمهور، أو المدينة على مكة كما هو مذهب مالك وأتباعه، فتذكر في موضع آخر بأدلتها إن شاء الله وبه الثقة. وقوله تعالى إخبارا عن الخليل: ﴿ رب اجعل هذا بلدا آمنا ﴾ أي من الخوف أي لا يرعب أهله، وقد فعل الله ذلك شرعا وقدرا، كقوله تعالى:

ومن دخله كان آمنا

[آل عمران: 97]، وقوله:

أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم

[العنكبوت: 67] إلى غير ذلك من الآيات وقد تقدمت الأحاديث في تحريم القتال فيه، وفي صحيح مسلم عن جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

" لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح "

، وقال في هذه السورة: ﴿ رب اجعل هذا بلدا آمنا ﴾ أي اجعل هذه البقعة بلدا آمنا وناسب هذا لأنه قبل بناء الكعبة، وقال تعالى في سورة إبراهيم:

وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا

[الآية: 35] وناسب هذا هناك لأنه - والله أعلم - كأنه وقع دعاء مرة ثانية بعد بناء البيت واستقرار أهله به، وبعد مولد إسحاق الذي هو أصغر سنا من إسماعيل بثلاث عشرة سنة، ولهذا قال في آخر الدعاء:

الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعآء

[إبراهيم: 39].

وقوله تعالى: ﴿ وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير ﴾. قال أبو جعفر الرازي عن أبي بن كعب ﴿ قال ومن كفر ﴾ الآية هو قول الله تعالى. وهذا قول مجاهد وعكرمة وهو الذي صوبه ابن جرير رحمه الله، قال: وقرأ آخرون: ﴿ قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير ﴾ فجعلوا ذلك من تمام دعاء إبراهيم. قال ابن عباس: " كان إبراهيم يحجرها على المؤمنين دون الناس، فأنزل الله ومن كفر أيضا أرزقهم كما أرزق المؤمنين، أأخلق خلقا لا أرزقهم؟ أمتعهم قليلا ثم اضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير " ثم قرأ ابن عباس:

كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطآء ربك وما كان عطآء ربك محظورا

[الإسراء: 20]، وهذا كقوله تعالى:

إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون * متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون

[يونس: 69-70]، وكقوله تعالى:

نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ

[لقمان: 24]، وقوله: ﴿ ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير ﴾ أي ثم ألجئه بعد متاعه في الدنيا، وبسطنا عليه من ظلها ﴿ إلى عذاب النار وبئس المصير ﴾ ومعناه أن الله تعالى ينظرهم ويمهلهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر كقوله تعالى:

وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير

[الحج: 48] وفي الصحيح:

" إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته "

، ثم قرأ قوله تعالى:

وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد

[هود: 102].

وأما قوله تعالى: ﴿ وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منآ إنك أنت السميع العليم ﴾ فالقواعد جمع قاعدة، وهي السارية والأساس، يقول تعالى: واذكر يا محمد لقومك بناء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام البيت، ورفعهما القواعد منه وهما يقولان: ﴿ ربنا تقبل منآ إنك أنت السميع العليم ﴾ فهما في عمل صالح وهما يسألان الله تعالى أن يتقبل منهما، وقال بعض المفسرين: الذي كان يرفع القواعد هو إبراهيم، والداعي إسماعيل، والصحيح أنهما كانا يرفعان ويقولان كما سيأتي بيانه. وقد روى البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقا لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبإبنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتف إليها، فقالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذا لا يضيعنا، ثم رجعت. فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهذه الدعوات ورفع يديه فقال:

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٩٥