تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وروى ابن جريج عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعا حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين، ثم قرأ: ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ وقال ابن جرير عن جابر قال: استلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ثم نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ فجعل المقام بينه وبين البيت فصلى ركعتين، وهذا قطعة من الحديث الطويل الذي رواه مسلم في صحيحه. فهذا كله مما يدل على أن المراد بالمقام إنما هو الحجر، الذي كان إبراهيم عليه السلام يقوم عليه لبناء الكعبة، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل عليه السلام به ليقوم فوقه، ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار، وكلما كمل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى يطوف حول الكعبة وهو واقف عليه كلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها وهكذا حتى تم جدران الكعبة كما سيأتي بيانه في قصة إبراهيم وإسماعيل وكانت آثار قدميه ظاهرة فيه، ولم يزل هذا معروفا تعرفه العرب في جاهليتها، ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المعروفة اللامية:

وموطىء إبراهيم في الصخر رطبة

على قدميه حافيا غير ناعل

وقد كان هذا المقام ملصقا بجدار الكعبة قديما ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب، مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب، في البقعة المستقلة هناك، وكان الخليل عليه السلام لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة، أو أنه انتهى عنده البناء فتركه هناك، ولهذا - والله أعلم - أمر بالصلاة هناك عند الفراغ من الطواف، وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه وإنما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أحد الأئمة المهديين والخلفاء الراشدين، الذين أمرنا باتباعهم، وهو أحد الرجلين اللذين قال فيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر "

، وهو الذي نزل القرآن بوفاقه في الصلاة عنده ولهذا لم ينكر ذلك أحد من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

عن عائشة رضي الله عنها أن المقام كان زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمان أبي بكر رضي الله عنه ملتصقا بالبيت ثم أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وعن مجاهد قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله لو صلينا خلف المقام، فأنزل ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ فكان المقام عند البيت فحوله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى موضعه هذا. وهو مخالف لما تقدم أن أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهذا أصح من طريق ابن مردويه مع اعتضاد هذا بما تقدم، والله أعلم.

﴿... وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود * وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير * وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منآ إنك أنت السميع العليم * ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينآ إنك أنت التواب الرحيم ﴾.

قال الحسن البصري: قوله تعالى: ﴿ وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل ﴾: أمرهما الله أن يطهراه من الأذى والنجس، ولا يصيبه من ذلك شيء. وقال ابن جريج قلت لعطاء ما عهده؟ قال أمره. والظاهر أن هذا الحرف إنما عدي بإلى لأنه في معنى أوحينا، قوله: ﴿ أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين ﴾ أي من الأوثان والرفث وقول الزور والرجس. قال مجاهد وعطاء وقتادة: ﴿ أن طهرا بيتي ﴾ أي بلا إله إلا الله من الشرك، وأما قوله تعالى: ﴿ للطائفين ﴾ فالطواف بالبيت معروف، وعن سعيد بن جبير أنه قال: ﴿ للطائفين ﴾ يعني من أتاه من غربة ﴿ والعاكفين ﴾ المقيمين فيه. وهكذا روي عن قتادة والربيع بن أنس أنهما فسرا العاكفين بأهله المقيمين فيه. وعن ابن عباس قال: إذا كان جالسا فهو من العاكفين، وعن ثابت قال: قلنا لعبد الله بن عبيد بن عمير ما أراني إلا مكلم الأمير أن امنع الذين ينامون في المسجد الحرام فإنهم يجنبون ويحدثون قال: لا تفعل فإن ابن عمر سئل عنهم فقال: هم العاكفون.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٩٢