تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال، قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله والذي بعثك بالحق لقد جئت أنا أريد أن أخبرك وأنا أسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر ".

وقال ابن جرير: انطلق عمر بن الخطاب ذات يوم إلى اليهود فلما انصرف رحبوا به، فقال لهم عمر: أما والله ما جئتكم لحبكم ولا لرغبة فيكم ولكن جئت لأسمع منكم، فسألهم وسألوه، فقالوا: من صاحب صاحبكم؟ فقال لهم: جبرائيل، فقالوا: ذاك عدونا من أهل السماء، يطلع محمدا على سرنا، وإذا جاء جاء بالحرب والسنة، ولكن صاحب صاحبنا ميكائيل إذا جاء جاء بالخصب والسلم، فقال لهم عمر: هل تعرفون جبرائيل وتنكرون محمدا صلى الله عليه وسلم، ففارقهم عمر عند ذلك وتوجه نحو النبي صلى الله عليه وسلم ليحدثه حديثهم فوجده قد أنزلت عليه هذه الآية: ﴿ قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله ﴾ الآيات.

وقال ابن جرير عن ابن أبي ليلى في قوله تعالى: ﴿ قل من كان عدوا لجبريل ﴾ قال: قالت اليهود للمسلمين: لو أن (ميكائيل) كان هو الذي ينزل عليكم اتبعناكم فإنه ينزل بالرحمة والغيث، وإن (جبرائيل) ينزل بالعذاب والنقمة فإنه عدو لنا، قال: فنزلت هذه الآية.

وأما تفسير الآية فقوله تعالى: ﴿ قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله ﴾ أي من عادى جبرائيل فليعلم أنه الروح الأمين، الذي نزل بالذكر الحكيم على قلبك من الله بإذنه له في ذلك، فهو رسول من رسل الله ملكي، ومن عادى رسولا فقد عادى جميع الرسل، كما أن من آمن برسول فإنه يلزمه الإيمان بجميع الرسل، وكذلك من عادى جبرائيل فإنه عدو لله لأن جبرائيل لا ينزل بالأمر من تلقاء نفسه وإنما ينزل بأمر ربه كما قال:

وما نتنزل إلا بأمر ربك

[مريم: 64]، وقال تعالى:

وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين

[الشعراء: 192-194].

وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب "

ولهذا غضب الله لجبرائيل على من عاداه، فقال تعالى: ﴿ من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه ﴾ أي من الكتب المتقدمة ﴿ وهدى وبشرى للمؤمنين ﴾ أي هدى لقلوبهم وبشرى لهم بالجنة، وليس ذلك إلا للمؤمنين كما قال تعالى:

قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء

[فصلت: 44]، وقال تعالى:

وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة للمؤمنين

[الإسراء: 82]، ثم قال تعالى: ﴿ من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين ﴾. يقول تعالى: من عاداني وملائكتي ورسلي - ورسله تشمل رسله من الملائكة والبشر - كما قال تعالى:

الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس

[الحج: 75]، ﴿ وجبريل وميكال ﴾ وهذا من باب عطف الخاص على العام فإنهما دخلا في الملائكة في عموم الرسل، ثم خصصا بالذكر لأن السياق في الانتصار لجبرائيل، وهو السفير بين الله وأنبيائه، وقرن معه ميكائيل في اللفظ لأن اليهود زعموا أن جبرائيل عدوهم، وميكائيل وليهم، فأعلمهم الله تعالى أن من عادى واحدا منهما فقد عادى الآخر، وعادى الله أيضا، ولأنه أيضا ينزل على أنبياء الله بعض الأحيان كما قرن برسول الله صلى الله عليه وسلم في ابتداء الأمر، ولكن جبرائيل أكثر وهي وظيفته، وميكائيل موكل بالنبات والقطر. هذا بالهدى وهذا بالرزق، كما أن إسرافيل موكل بالنفخ في الصور للبعث يوم القيامة، ولهذا جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يقول:

" اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم "

عن ابن عباس قال: إنما كان قوله جبرائيل كقوله عبد الله وعبد الرحمن، وقيل جبر: عبد، وإيل: الله. وقوله تعالى: ﴿ فإن الله عدو للكافرين ﴾ فيه إيقاع المظهر مكان المضمر حيث لم يقل (فإنه عدو) بل قال: ﴿ فإن الله عدو للكافرين ﴾ كما قال الشاعر:

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٧٢