تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا

[الأعراف: 164] يقول: لم تعظوهم وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم، فقال بعضهم:

معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون

[الأعراف: 164]، فلما أبوا قال المسلمون والله لا نساكنكم في قرية واحدة، فقسموا القرية بجدار ففتح المسلمون بابا والمعتدون في السبت بابا ولعنهم داود عليه السلام، فجعل المسلمون يخرجون من بابهم، والكفار من بابهم، فخرج المسلمون ذات يوم ولم يفتح الكفار بابهم، فلما أبطأوا عليهم تسور المسلمون عليهم الحائط، فإذا هم قردة يثب بعضهم على بعض ففتحوا عنهم فذهبوا في الأرض، فذلك قول الله تعالى:

فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين

[الأعراف: 166]، وذلك حين يقول:

لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم

[المائدة: 78] الآية فهم القردة، (قلت) والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد رحمه الله من أن مسخهم إنما كان (معنويا) لا (صوريا)، بل الصحيح أنه معنوي صوري والله تعالى أعلم.

وقوله تعالى: ﴿ فجعلناها نكالا ﴾ قال بعضهم: الضمير في ﴿ فجعلناها ﴾ عائد إلى القردة، وقيل على (الحيتان) وقيل على (العقوبة)، وقيل على (القرية) حكاها ابن جرير. والصحيح أن الضمير عائد على القرية، أي فجعل الله هذه القرية والمراد أهلها بسبب اعتدائهم في سبتهم (نكالا) أي عاقبناهم عقوبة فجعلناها عبرة كما قال الله عن فرعون:

فأخذه الله نكال الآخرة والأولى

[النازعات: 25]، وقوله تعالى: ﴿ لما بين يديها وما خلفها ﴾ أي من القرى، قال ابن عباس: يعني جعلناها بما أحللنا بها من العقوبة عبرة لما حولها من القرى كما قال تعالى:

ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون

[الأحقاف: 27]، فالمراد لما بين يديها وما خلفها في المكان، كما قال عكرمة عن ابن عباس: ﴿ لما بين يديها ﴾ من القرى ﴿ وما خلفها ﴾ من القرى، وقال أبو العالية: ﴿ وما خلفها ﴾ لما بقي بعدهم من الناس من بني إسرائيل أن يعملوا مثل عملهم، وكأن هؤلاء يقولون المراد ﴿ لما بين يديها وما خلفها ﴾ في الزمان، وهذا مستقيم بالنسبة إلى من يأتي بعدهم من الناس أن تكون أهل تلك القرية عبرة لهم، وأما بالنسبة إلى من سلف قبلهم من الناس، فكيف يصح هذا الكلام أن تفسر الآية به وهو أن يكون عبرة لمن سبقهم؟ فتعين أن المراد في المكان وهو ما حولها من القرى كما قال ابن عباس وسعيد بن جبير والله أعلم.

وقال أبو جعفر الرازي عن أبي العالية: ﴿ فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها ﴾ أي عقوبة لما خلا من ذنوبهم، وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة ومجاهد: ﴿ لما بين يديها ﴾ من ذنوب القوم ﴿ وما خلفها ﴾ لمن يعمل بعدها مثل تلك الذنوب، وحكى الرازي ثلاثة أقوال أحدها: أن المراد بما بين يديها وما خلفها من تقدمها من القرى بما عندهم من العلم بخبرها بالكتب المتقدمة ومن بعدها. والثاني: المراد بذلك من بحضرتها من القرى والأمم. والثالث: أنه تعالى جعلها عقوبة لجميع ما ارتكبوه من قبل هذا الفعل وما بعده وهو قول الحسن. (قلت): وأرجح الأقوال المراد بما بين يديها وما خلفها من بحضرتها من القرى يبلغهم خبرها وما حل بها كما قال تعالى:

ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى

[الأحقاف: 27] الآية، وقال تعالى:

ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة

[الرعد: 31] الآية، وقال تعالى:

أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافهآ

[الأنبياء: 44] فجعلهم عبرة ونكالا لمن في زمانهم وموعظة لمن يأتي بعدهم بالخبر المتواتر عنهم، ولهذا قال: ﴿ وموعظة للمتقين ﴾ الذين من بعدهم إلى يوم القيامة، قال الحسن: فيتقون نقمة الله ويحذرونها، وقال السدي: ﴿ وموعظة للمتقين ﴾ أمة محمد صلى الله عليه وسلم. (قلت): المراد بالموعظة ههنا الزاجر، أي جعلنا ما أحللنا بهؤلاء من البأس والنكال في مقابلة ما ارتكبوه من محارم الله وما تحيلوا به من الحيل، فليحذر المتقون صنيعهم لئلا يصيبهم ما أصابهم كما روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٥٤