قال ابن جرير: وقال بعضهم إنما قالت الملائكة ما قالت: ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء ﴾ لأن الله أذن لهم في السؤال عن ذلك بعد ما أخبرهم أن ذلك كائن من بني آدم، فسألته الملائكة فقالت على التعجب منها: وكيف يعصونك يا رب وأنت خالقهم؟ فأجابهم ربهم ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ ، يعني أن ذلك كائن منهم، وإن لم تعلموه أنتم ومن بعض ما ترونه لي طائعا، قال، وقال بعضهم ذلك من الملائكة على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك، فكأنهم قالوا: يا رب خبرنا - مسألة استخبار منهم لا على وجه الإنكار - واختاره ابن جرير.
وقوله تعالى: ﴿ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ﴾ ، قال قتادة: التسبيح والتقديس الصلاة، وقال السدي عن ابن عباس ﴿ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ﴾: نصلي لك. وقال مجاهد ﴿ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ﴾ ، قال: نعظمك ونكبرك. وقال ابن جرير: التقديس هو التعظيم والتطهير. ومنه قولهم: سبوح قدوس، يعني بقولهم سبوح تنزيه له، وبقولهم قدوس طهارة وتعظيم له، وكذلك قيل للأرض: أرض مقدسة، يعني بذلك المطهرة، فمعنى قول الملائكة إذن ﴿ ونحن نسبح بحمدك ﴾: ننزهك ونبرئك مما يضيفه إليك أهل الشرك بك، ﴿ ونقدس لك ﴾ ننسبك إلى ما هو من صفاتك من الطهارة من الأدناس وما أضاف إليك أهل الكفر بك.
عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الكلام أفضل؟ قال:
" ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله وبحمده "
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به سمع تسبيحا في السماوات العلا
" سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى "
﴿ قال إني أعلم ما لا تعلمون ﴾. قال قتادة: فكان في علم الله أنه سيكون في تلك الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة.
وقد استدل القرطبي وغيره بهذه الآية على وجوب نصب الخليفة، ليفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويقطع تنازعهم وينتصر لمظلومهم من ظالمهم، ويقيم الحدود، ويزجر عن تعاطي الفواحش إلى غير ذلك من الأمور المهمة التي لا تمكن إقامتها إلا بالإمام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. والإمامة تنال بالنص كما يقوله طائفة من أهل السنة في أبي بكر. أو بالإيماء إليه كما يقول آخرون منهم، أو باستخلاف الخليفة آخر بعده كما فعل الصديق بعمر بن الخطاب، أو بتركه شورى في جماعة صالحين كذلك كما فعله عمر، أو باجتماع أهل الحل والعقد على مبايعته أو بمبايعة واحد منهم له، فيجب التزامها عند الجمهور، وحكى على ذلك إمام الحرمين الإجماع، والله أعلم.
ويجب أن يكون ذكرا، حرا، بالغا، عاقلا، مسلما، عدلا، مجتهدا، بصيرا، سليم الأعضاء، خبيرا بالحروب والآراء، قرشيا على الصحيح؛ ولا يشترط الهاشمي ولا المعصوم من الخطأ خلافا للغلاة والروافض. ولو فسق الإمام هل ينعزل أم لا؟ فيه خلاف، والصحيح أنه لا ينعزل لقوله عليه الصلاة والسلام:
" إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان "
، فأما نصب إمامين في الأرض أو أكثر فلا يجوز لقوله عليه الصلاة والسلام:
" من جاءكم وأمركم جميع يريد أن يفرق بينكم فاقتلوه كائنا من كان "
وهذا قول الجمهور.