تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقوله تعالى: ﴿ وليكتب بينكم كاتب بالعدل ﴾ أي بالقسط والحق ولا يجر في كتابته على أحد، ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه من غير زيادة ولا نقصان. وقوله: ﴿ ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب ﴾ أي ولا يمتنع من يعرف الكتابة إذا سئل أن يكتب للناس ولا ضرورة عليه في ذلك، فكما علمه الله ما لم يكن يعلم فليتصدق على غيره ممن لا يحسن الكتابة، وليكتب كما جاء في الحديث:

" إن من الصدقة أن تعين صانعا أو تصنع لأخرق "

، وفي الحديث الآخر:

" من كتم علما يعلمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار "

، وقال مجاهد وعطاء: واجب على الكاتب أن يكتب، وقوله: ﴿ وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ﴾ ، أي وليملل المدين على الكاتب ما في ذمته من الدين وليتق الله في ذلك، ﴿ ولا يبخس منه شيئا ﴾ أي لا يكتم منه شيئا، ﴿ فإن كان الذي عليه الحق سفيها ﴾ محجورا عليه بتبذيره ونحوه ﴿ أو ضعيفا ﴾ أي صغيرا أو مجنونا ﴿ أو لا يستطيع أن يمل هو ﴾ إما لعي أو جهل بموضع صواب ذلك في خطئه ﴿ فليملل وليه بالعدل ﴾.

وقوله تعالى: ﴿ واستشهدوا شهيدين من رجالكم ﴾ أمر بالاستشهاد مع الكتابة لزيادة التوثقة، ﴿ فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ﴾ ، وهذا إنما يكون في الأموال وما يقصد به المال، وإنما أقيمت المرأتان مقام الرجل لنقصان عقل المرأة كما قال مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" " يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار " فقالت: امرأة منهن جزلة: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: " تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن " ، قالت: يا رسول الله ما نقصان العقل والدين؟ قال: " أما نقصان عقلها فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي لا تصلي وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين " ".

وقوله تعالى: ﴿ ممن ترضون من الشهدآء ﴾ فيه دلالة على اشتراط العدالة في الشهود، وهذا مقيد حكم به الشافعي على كل مطلق في القرآن من الأمر بالإشهاد من غير اشتراط، وقد استدل من رد المستور بهذه الآية الدالة على أن يكون الشاهد عدلا مرضيا. وقوله: ﴿ أن تضل إحداهما ﴾ يعني المرأتين إذا نسيت الشهادة ﴿ فتذكر إحداهما الأخرى ﴾ أي يحصل لها ذكر بما وقع به من الإشهاد.

وقوله تعالى: ﴿ ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا ﴾ ، قيل: معناه إذا دعوا للتحمل فعليهم الإجابة، وهو قول قتادة والربيع، وهذا كقوله: ﴿ ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب ﴾ ، ومن ههنا استفيد أن تحمل الشهادة فرض كفاية، قيل: وهو مذهب الجمهور والمراد بقوله: ﴿ ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا ﴾ للأداء لحقيقة قوله: ﴿ الشهدآء ﴾ والشاهد حقيقة فيمن تحمل فإذا دعي لأدائها فعليه الإجابة إذا تعينت، وإلا فهو فرض كفاية والله أعلم، وقال مجاهد: إذا دعيت لتشهد فأنت بالخيار، وإذا شهدت فدعيت فأجب، وقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

" ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي ياتي بشهادته قبل أن يسألها "

، فأما الحديث الآخر في الصحيحين:

" ألا أخبركم بشر الشهداء؟ الذين يشهدون قبل أن يستشهدوا "

، وكذا قوله:

" ثم يأتي قوم تسبق أيمانهم شهادتهم وتسبق شهادتهم أيمانهم "

، وفي رواية:

" ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون "

فهؤلاء شهود الزور.

وقوله تعالى: ﴿ ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ﴾ هذا من تمام الإرشاد، وهو الأمر بكتابة الحق صغيرا كان أو كبيرا، فقال: ﴿ ولا تسأموا ﴾ أي لا تملوا أن تكتبوا الحق على أي حال كان من القلة والكثرة إلى أجله. وقوله: ﴿ ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا ﴾ أي هذا الذي أمرناكم به من الكتابة للحق إذا كان مؤجلا، هو ﴿ أقسط عند الله ﴾ أي أعدل، ﴿ وأقوم للشهادة ﴾ أي أثبت للشاهد إذا وضع خطه ثم رآه تذكر به الشهادة لاحتمال أنه لو لم يكتبه أن ينساه كما هو الواقع غالبا، ﴿ وأدنى ألا ترتابوا ﴾ وأقرب إلى عدم الريبة بل ترجعون عند التنازع إلى الكتاب الذي كتبتموه فيفصل بينكم بلا ريبة.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٢١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٢١٥