تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم قال تعالى: ﴿ ومن عاد ﴾ أي إلى الربا ففعله بعد بلوغه نهي الله عنه فقد استوجب العقوبة وقامت عليه الحجة، ولهذا قال: ﴿ فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ ، وقد قال أبو داود، عن جابر قال: لما نزلت: ﴿ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" من لم يذر المخابرة فليؤذن بحرب من الله ورسوله "

، وإنما حرمت (المخابرة) وهي المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض، و (المزابنة) وهي اشتراء الرطب في رؤوس النخل بالتمر على وجه الأرض، و (المحاقلة) وهي اشتراء الحب في سنبله في الحقل بالحب على وجه الأرض، إنما حرمت هذه الأشياء وما شاكلها حسما لمادة الربا، لأنه لا يعلم التساوي بين الشيئين قبل الجفاف، ولهذا قال الفقهاء: الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة، ومن هذا حرموا أشياء بما فهموا من تضييق المسالك المفضية إلى الربا والوسائل الموصلة إليه، وتفاوت نظرهم بحسب ما وهب الله لكل منهم من العلم، وقد قال تعالى:

وفوق كل ذي علم عليم

[يوسف: 76].

وباب الربا من أشكل الأبواب على كثير من أهل العلم، وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا)، يعني بذلك بعض المسائل التي فيها شائبة الربا، والشريعة شاهدة بأن كل حرام فالوسيلة إليه مثله، لأن ما أفضى إلى الحرام حرام، كما أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقد ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

" إن الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه "

وفي السنن عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

" دع ما يريبك إلى ما لا يريبك "

، وفي الحديث الآخر:

" الإثم ما حاك في القلب، وترددت فيه النفس، وكرهت أن يطلع عليه الناس "

وفي رواية:

" استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك "

وقال ابن عباس: آخر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الربا، وعن أبي سعيد الخدري قال: خطبنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: (إني لعلي أنهاكم عن أشياء تصلح لكم، وآمركم بأشياء لا تصلح لكم، وإن من آخر القرآن نزولا آية الربا، وإنه قد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبينه لنا، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم). وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" الربا ثلاثة وسبعون بابا "

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" الربا سبعون جزءا أيسرها أن ينكح الرجل أمه "

، وقال الإمام أحمد عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

" " يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا ". قال: قيل له: الناس كلهم؟ قال: " من لم يأكله منهم ناله من غباره " ".

ومن هذا القبيل تحريم الوسائل المفضية إلى المحرمات الحديث الذي روي عن عائشة، قالت: (لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس ثم حرم التجارة في الخمر) قال بعض من تكلم على هذا الحديث من الأئمة: لما حرم الربا ووسائله حرم الخمر وما يفضي إليه من تجارة ونحو ذلك، كما قال عليه السلام في الحديث المتفق عليه:

" لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها "

وقوله صلى الله عليه وسلم:

" لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه "

، قالوا: وما يشهد عليه ويكتب. إلا إذا أظهر في صورة عقد شرعي ويكون داخله فاسدا، فالاعتبار بمعناه لا بصورته، لأن الأعمال بالنيات. وفي الصحيح:

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٢١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٢١٠