1.6
أي: ألهمنا الطريق الهادي، وأرشدنا إليه، ووفقنا له.
قال الإمام الراغب في تفسيره: " الهداية دلالة بلطف. ومنه الهداية، وهوادي الوحش وهي متقدماتها لكونها هادية لسائرها. وخص ما كان دلالة بفعلت نحو: هديته الطريق، وما كان من الإعطاء بأفعلت نحو: أهديت الهدية، ولما يصور العروس على وجهين: قيل فيه: هديت وأهديت. فإن قيل: كيف جعلت الهدى دلالة لطف وقد قال تعالى:
فاهدوهم إلى صراط الجحيم
[الصافات: 23]. وقال تعالى:
كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير
[الحج: 4]. قيل: إن ذلك حسب استعمالهم اللفظ على التهكم كما قال:
وخيل قد دلفت لها بخيل
تحية بينهم ضرب وجيع
والهداية هي الإرشاد إلى الخيرات قولا وفعلا، وهي من الله تعالى على منازل بعضها يترتب على بعض، لا يصح حصول الثاني إلا بعد الأول، ولا الثالث إلا بعد الثاني.
فأول المنازل: إعطاؤه العبد القوى التي بها يهتدي إلى مصالحه إما تسخيرا وإما طوعا - كالمشاعر الخمسة والقوة الفكرية، وبعض ذلك قد أعطاه الحيوانات، وبعض خص به الإنسان، وعلى ذلك دل قوله تعالى:
أعطى كل شيء خلقه ثم هدى
[طه: 50]. وقوله تعالى:
والذي قدر فهدى
[الأعلى: 3]. وهذه الهداية إما تسخير وإما تعليم، وإلى نحوه أشار بقوله تعالى:
وأوحى ربك إلى النحل
[النحل: 68]. وقوله تعالى:
بأن ربك أوحى لها
[الزلزلة: 5]. وقال في الإنسان بما أعطاه من العقل، وعرفه من الرشد:
إنا هديناه السبيل
[الإنسان: 3]. وقال:
وهديناه النجدين
[البلد: 10]. وقال في ثمود:
فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى
[فصلت: 17].
وثانيهما: الهداية بالدعاء وبعثه الأنبياء عليهم السلام. وإياها عني بقوله تعالى:
وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا
[السجدة: 24]. وبقوله:
ولكل قوم هاد
[الرعد: 7] وهذه الهداية تنسب تارة إلى الله عز وجل، وتارة إلى النبي عليه السلام، وتارة إلى القرآن. قال الله تعالى:
إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم
[الإسراء: 9].
وثالثها هداية يوليها صالحي عباده بما اكتسبوه من الخيرات، وهي الهداية المذكورة في قوله عز وجل:
وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد
[الحج: 24]. وقوله:
أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده
[الأنعام: 90]. وقوله:
والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا
[العنكبوت: 69]. وهذه الهداية هي المعنية بقوله:
ويجعل لكم نورا تمشون به
[الحديد: 28]. ويصح أن ننسب هذه الهداية إلى الله عز وجل فيقال: هو آثرهم بها من حيث إنه هو السبب في وصولهم إليها. ويصح أن يقال: اكتسبوها من حيث إنهم توصلوا إليها باجتهادهم. فمن قصد سلطانا مسترفدا فأعطاه، يصح أن يقال: إن السلطان خوله. ويصح أن يقال: فلان اكتسب بسعيه، ولانطواء ذلك على الأمرين، قال تعالى:
والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم
[محمد: 17]. وقال:
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم
[يونس: 9]. فنبه أن ذلك بجهدهم وبفضله جميعا.
وهذه الهداية يصح أن يقال: هي مباحة للعقلاء كلهم، ويصح أن يقال: هي محظورة إلا على أوليائه، لما كان في إمكان جميع العقلاء أن يترشحوا لتناولها. ومن ذلك قيل: إنها لا يسهل تناولها قبل أن يتشكل الإنسان بشكل مخصوص، بتقديم عبادات. وقد قال بعض المحققين: الهدى من الله كثير، ولا يبصره إلا البصير، ولا يعمل به إلا اليسير. ألا ترى أن نجوم السماء ما أكثرها ولا يهتدى بها إلا العلماء. وقال بعض الأولياء: إن مثل هداية الله مع الناس كمثل سيل مر على قلات وغدران، فيتناول كل قلت منها بقدر سعته - ثم تلا قوله -:
أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها
[الرعد: 17] وقال بعضهم: هي كمطر أتى على أرضين فينفع كل أرض بقدر ترشيحها للانتفاع به.
والمنزلة الرابعة: من الهداية التمكين من مجاورته في دار الخلد، وإياها عنى الله بقوله: